بهدوءِ الساعات التي تبلغ منتهاها، ودَّعَنا منذ أيام «عم فلفل».. ذلك الرجل الذي صار جزءاً من ذاكرة المثقفين في مقهى «ريش» - التاريخي - عن عمر يناهز 95 عامًا.
محمد حسين صادق أو كما كنا نناديه عم فلفل لم يكن لرواد المكان سواء المثقفين والسياسيين او المواطنين العاديين مجرد جرسون نوبي اسمر اللون، بل كان ذاكرة أمة وشاهد على تفاصيلها الاجتماعية والسياسية.
فمنذ نهاية أربعينيات القرن الماضي التحق عم فلفل بمقهى ريش، تاركًا العمل في فندق شيبرد واحد من أشهر فنادق مصر خلال الاربعينيات، لتبدأ رحلة حياته مع صاحب المقهى الذي كان تمتلكه أسرة جورج أفاينوس اليونانية، قبل أن تشتريه أسرة عبد الملاك الشبراوية خلال عام 1960.
لسنوات وسنوات ظل يجول بين الطاولات في مقهى "ريش" حاملاً على عقله تاريخاً من الهمسات والأحاديث، لكن كما عاش: بخطواتٍ خفيفة، وابتسامةٍ لا تثقلها السنون، وبخبرةٍ صامتةٍ تعرف كيف تضع الفنجان في مكانه دون أن تثير ضجة.
لعل "ريش" لم تفقد جرسونها العتيق فقط، بل فقدت شيئاً من إيقاعها القديم.. ذلك الإيقاع الذي كان يتناغم مع وقع خطوات "فلفل" بين الطاولات، حاملاً في يديه رائحة الزمن الجميل.
كان عم فلفل هو ايقونة المكان يعرف طلب كل واحد من رواد المكان، فنجيب محفوظ كان يتناول فنجانين من القهوة قبل أن يبدأ لقاء تلاميذه، وفي مقدمتهم جمال الغيطاني ويوسف القعيد، وفي نهاية اليوم الأديب يوسف إدريس، ويحي حقي ، وليلا رشدي أباظة وإسماعيل يس ومحمود المليجي.
جميع رواد المكان التي تزين صورهم مقهى ريش هي عبارة عن قصص تاريخية، يكفي فقط أن تقف أمام واحدة منها ليحكي عم فلفل، وكأنك مع الراوي في السيرة الهلالية، لكنها سيرة مصرية خالصة وليست مستجلبة.
وأتذكر في ربيع 2013 كان مقهى ريش مقر لتجميع وثيقة تمرد الشعب المصري ضد حكم جماعة الإخوان الإرهابية، وكان عم فلفل هو المكلف من اللواء مجدي عبد الملاك صاحب ريش باستقبالها وحفظها، وكان يقول بلهجته المصرية النوبية الجميلة «هيمشوا».
كلمة اخيرة:
مقاهي مصر وبالتحديد وسط البلد هي ذاكرة مصر، فمنها كانت تخرج حركات التحرر الوطني، ضد الانجليز، عشرات بل مئات المقاهي التي كانت تحكي تاريخ مصر اجتماعيا وسياسيا وادبيا، هذه المقاهي لم تكن مكان لتناول المأكولات والمشروبات، بل كانت سوق ثقافي كبير يأتي له الجميع سياسيين وأدباء وفنانين من كافة البلاد العربية ليحتموا في حضن مصر الدافئ.
وحاليا تقوم الحكومة بتطوير منطقة وسط البلد، فهل تراعي وتحافظ على ما تبقي من تاريخ مصر وذاكرتها الثقافية، التي تعود الي نحو 150 عامًا؟! نحن نحافظ على تاريخًا ليتوارثه أجيال أخرى.

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







