لم يعد العنف الذي يمارسه بعض الأطفال مجرد سلوك طائش أو اندفاع لحظي، بل بات في كثير من الحالات رسالة صامتة تحمل دلالات أعمق عن صراع داخلي للبحث عن الذات وإثبات الوجود.
دراسة حديثة صادرة عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية تسلط الضوء على جذور جرائم القتل التي يرتكبها أطفال دون سن الخامسة عشرة، كاشفة عن تداخل معقد بين العوامل النفسية والاجتماعية والبيئية، حيث يتحول العنف من مجرد شجار عابر إلى جريمة تزهق روحا.
أكدت دراسة علمية أعدها الدكتور محمود أحمد عبد الله، أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، أن الأفعال العدائية التي يرتكبها الأطفال ليست عشوائية، لكنها تعكس في كثير من الأحيان رغبة دفينة في إثبات الذات والانتقال من مرحلة الطفولة إلى هوية جديدة يشعر فيها الطفل بالقوة والاعتراف المجتمعي.
وأوضحت الدراسة أن بعض الأطفال يلجأون إلى السلوك العنيف كوسيلة للتغلب على مشاعر النقص أو الإحساس بالعجز، خاصة في فترات البلوغ والمراهقة المبكرة، حيث يتصاعد الصراع مع الأسرة والمجتمع، وتتزايد الحاجة إلى الانتماء لجماعة بديلة تمنحهم الشعور بالقيمة والقبول.
اقرأ أيضا| 190 عامًا من التشريع لرعاية الأطفال.. كيف تصدرت مصر حماية الطفولة عالميا؟
وبينت الدراسة أن جريمة القتل، رغم خطورتها، لا تعد الأكثر شيوعا بين الأطفال الجانحين، إذ تحتل جرائم السرقة المرتبة الأولى، تليها جرائم الإيذاء والاعتداءات الأخرى، فيما يأتي القتل في مراتب متأخرة.
واستشهدت الدراسة بإحصاءات عربية، من بينها الأردن والعراق، أكدت أن القتل غالبا ما يكون نتيجة تصعيد تدريجي للعنف، وليس سلوكا إجراميا أوليا.
وأشارت النتائج إلى أن انتقال الطفل من العنف الأقل خطورة إلى جريمة القتل يرتبط بثلاثة سياقات رئيسية:
أولها الانخراط في العصابات أو جماعات الأصدقاء التي تمجّد العنف وتربطه بإثبات الرجولة، وثانيها تعاطي المخدرات التي تضعف السيطرة على الانفعالات وتزيد من حدة السلوك العدواني، وثالثها الصراعات الجماعية التي تُغذّى بقيم ذكورية مشوّهة تدفع الطفل للدفاع عن كرامته أو مكانته الاجتماعية بالعنف.
وكشفت الدراسة أن الفئة العمرية الأكثر تورطًا في جرائم القتل تقع بين 12 و15 عامًا، وهي ما وصفتها بـ«فئة المخاطرة»، حيث يسعى الطفل لإثبات تحوله من الطفولة إلى الرجولة، بينما تقل معدلات التورط في الأعمار الأصغر من 12 عامًا بسبب استمرار ارتباط الطفل بأسرته وخضوعه لرقابتها.
اقرأ أيضا| لماذا يتعاطى الشباب الأدوية والمخدرات؟ خبير نفسي يوضح
وأظهرت البيانات أن 95% من مرتكبي جرائم القتل من الأطفال هم من الذكور، مقابل نسبة محدودة للغاية من الإناث، وهو ما يتفق مع الأدبيات الجنائية التي تؤكد تفوق معدلات العنف والقتل بين الذكور مقارنة بالإناث، خاصة في البيئات الاجتماعية الهشة.
وشددت الدراسة على أن الخلفية الاجتماعية للأسر، ومستوى التعليم، والتسرب الدراسي، وضعف مؤسسات التنشئة، تلعب دورًا محوريًا في دفع الأطفال إلى مسارات العنف، مؤكدة أن الجريمة لا تنشأ فجأة، بل تتشكل عبر تراكمات طويلة من الإهمال والتهميش والتعرض المستمر للعنف.

لجنة مصالحات الأزهر تنهي أزمة «حادث أبنوب».. والعائلات تتنازل عن الدم لوجه الله وتقديراً لمبادرة الأزهر
أول تعليق من أسرة «صبري نخنوخ» على اتهامه بالبلطجة في «واقعة التجمع»
إصابة سيدة انهارت عليها شرفة عقار في الإسكندرية







