مسلسل« خط صقلية السريع » .. بوابة سحرية تربط شمال إيطاليا بجنوبها

مسلسل خط صقلية السريع
مسلسل خط صقلية السريع


محمد‭ ‬كمال

"فيكارا وبيكوني" هما اسما الشهرة اللذان عُرف بهما نجما السينما الإيطالية سالفاتوري فيكارا وفالنتينو بيكوني، وكما صعد الثنائي الكوميدي العالمي الشهير لوري وهاردي إلى سلم النجومية معًا، شقّ فيكارا وبيكوني طريقهما الفني كثنائي متلازم، قدّما أعمالًا مشتركة اعتمدا فيها على اسميهما الحقيقيين؛ حيث استخدما اسم “سالفو” اختصارًا لسالفاتوري، و”فالي” اختصارًا لفالنتينو.

بدأ الثنائي مسيرتهما عام 1993 على خشبة المسرح، ومنذ عام 1998 شرعا في الظهور في السينما الإيطالية بشخصيتي سالفو وفالي، في أدوار صغيرة شبيهة بالأدوار النمطية التي عُرفت في السينما المصرية قديمًا مثل “الدكتور شديد” و”الخواجة بيجو”، وفي عام 2002 قدّما أول بطولة سينمائية مشتركة لهما من خلال فيلم “Nati stanchi”، ليواصلا تصدر بطولات الأفلام معًا بالطريقة نفسها لمدة قاربت عشرين عامًا.

ومع حلول عام 2022، ألهمت هذه التجربة الطويلة منصة “نتفلكس” لتقديم أول تجربة تلفزيونية للثنائي، من خلال أحد أنجح المسلسلات الكوميدية التي عُرضت على المنصة خلال السنوات الخمس الأخيرة، وهو مسلسل “Framed! A Sicilian Murder Mystery” أو “لغز جريمة قتل في صقلية”، الذي قُدّم في جزأين، يتكون كل جزء من ست حلقات، وبالتزامن مع احتفالات أعياد الكريسماس، أطلقت المنصة عملًا جديدًا للثنائي بعنوان “Sicilia Express” أو “خط صقلية السريع” ، وهو مسلسل مكوّن من خمس حلقات، يشارك في بطولته إلى جانب سالفاتوري فيكارا وفالنتينو بيكوني كل من باربرا تابيتا وكاتيا فوليسا وماسيميليانو تورتورا وأنجلو بيساني.

تميّزت تجربة فيكارا – بيكوني بأنها تجربة كوميدية اجتماعية ساخرة، تدور أحداثها وتتمحور حول جزيرة صقلية الواقعة في البحر المتوسط، في أقصى الجنوب الإيطالي، وتحديدًا عاصمتها مدينة باليرمو، التي ينحدر منها الثنائي، وقد كانت صقلية هي المكان والمحور الأساسي لكل أعمالهما تقريبًا، حيث عكست هذه الأعمال تفاصيل الحياة اليومية في الجزيرة المتوسطية، كما تناولت الأزمات الاقتصادية والسياسية التي هزّت إيطاليا مع مطلع الألفية الجديدة.

سلّطت أعمال الثنائي الضوء على واحدة من أعمق القضايا المرتبطة بالخصوصية الإيطالية، وهي الأزمة الأزلية المتعلقة بالهوية الإيطالية، والمتمثلة في الفجوة العميقة والمعقّدة بين الشمال والجنوب، هذه الفجوة تمتد عبر مستويات متعددة؛ فعلى الصعيد التاريخي، تتراكم الانقسامات والاختلافات، وعلى المستوى الاقتصادي يُعد الشمال الصناعي الأكثر ثراءً، إذ يمتلك ناتجًا محليًا إجماليًا أعلى ويشكّل القلب الصناعي للبلاد، بينما يعاني الجنوب من التأخر الاقتصادي وقلة الفرص، أما ثقافيًا، فيتميّز الشمال بمدن عصر النهضة والبحيرات، في حين يشتهر الجنوب بالقرى الساحلية المشمسة والآثار اليونانية القديمة، وحتى على مستوى الطعام، يظهر التباين واضحًا؛ فالشمال يشتهر بأطباق مثل “البولينتا”، بينما يرتبط الجنوب بالبيتزا، ويشعر سكان الجنوب تاريخيًا بالإهمال والتهميش من قبل الحكومات والأحزاب والسلطات التنفيذية، كما أدت هجرة الجنوبيين إلى مدن الشمال إلى تصاعد التوترات وظهور حركات معادية للجنوب، والعكس صحيح.

وتتسم أعمال فيكارا–بيكوني بأنها ذات طابع متصل منفصل، حيث يبدأ كل مشروع جديد من حيث انتهى سابقه، لكن بحبكة وأحداث مختلفة، فنجد الثنائي في كل عمل داخل سياق جديد، مع الحفاظ على الشخصيتين الرئيسيتين سالفو وفالي، إلى جانب تطور علاقتهما بالشخصيات الثانوية والأدوار المساعدة، خصوصًا أسرة “ماريا تيريزا” زوجة فالي، وظهور شخصية “كلاوديا” في المسلسل السابق، ثم زواجها من سالفو في الجزء الثاني.

في المسلسل الأول، الذي دارت أحداثه بالكامل في مدينة باليرمو، كان سالفو وفالي يعملان في تصليح أجهزة التلفزيون، وأثناء إحدى مهام العمل داخل أحد المنازل، يكتشفان جريمة قتل بعد العثور على جثة مجهولة الهوية، ليتحوّلا من مجرد شاهدين إلى مشتبه بهما رئيسيين.

وينتهي المسلسل بزواج سالفو من كلاوديا، وهي سيدة من مدينة ميلانو الواقعة في أقصى الشمال الإيطالي، والتي تُعد من أكثر المدن المكروهة لدى سكان الجنوب، لا سيما والدي زوجة فالي، المعروفين بتعصبهما الجنوبي. ويبدأ المسلسل الجديد “Sicilia Express” في باليرمو، حيث تشترك الزوجتان ماريا تيريزا وكلاوديا في إدارة متجر لبيع المنتجات الجنوبية، في إشارة إلى ذوبان حالة التباعد بين الطرفين، وعلى النقيض، ينتقل سالفو وفالي للعمل في مدينة ميلانو، حيث يتم توظيفهما بشكل مؤقت كممرضين في أحد مستشفيات المدينة.

تنطلق أحداث المسلسل داخل المستشفى في ميلانو، لتظهر منذ البداية ملامح الفكرة الأساسية للحبكة من خلال ثلاث أزمات رئيسية، الأولى تتجسد في استعانة إدارة المستشفى بالثنائي الجنوبي لإقناع مريض جنوبي عاشق لصقلية بالثقة في المستشفى وتلقي العلاج في الشمال، وهو ما يكشف بوضوح جذور الأزمة العميقة بين الشمال والجنوب عمومًا، وبين ميلانو وباليرمو خصوصًا، أما الأزمة الثانية فتتعلق بسالفو وفالي نفسيهما، حيث يتربص بهما مدير المستشفى منتظرًا الفرصة لفصلهما، رغم أنه ينتمي هو الآخر إلى الجنوب، غير أن هجرته للشمال واندماجه في حياة ميلانو جعلته يحمل كراهية دفينة لأبناء الجنوب.

بينما تتمثل الأزمة الثالثة في معاناة الجنوبيين العاملين في ميلانو من صعوبة السفر والعودة إلى مسقط رأسهم، نتيجة قيود العمل، وطول المسافة، وسوء حال الطيران الداخلي المتجه من الشمال إلى الجنوب، وقبل أيام قليلة من عيد الميلاد، يرفض مدير المستشفى منح الثنائي إجازة كافية، ويجبرهما على العودة إلى ميلانو بعد يومين فقط.

وعند عودة الثنائي إلى الجنوب، يُدخلنا المخرج عبر المزج بين العام والخاص في تفاصيل الأزمة الشمالية–الجنوبية، وانعكاسها على حياة سالفو وفالي وعائلتيهما، فيتأخر الثنائي عن موعد افتتاح المطعم الذي تشارك في افتتاحه زوجتاهما ماريا تيريزا وكلاوديا، ثم تظهر مشكلة والدي ماريا تيريزا مع عمل فالي في الشمال بسبب تعصبهما الجنوبي وكرههما لميلانو تحديدًا، كما تعاني لويزا، ابنة فالي، من تفكك الأسرة والمشاجرات المستمرة بين والديها بسبب العمل في ميلانو، فترسم لوحة بسيطة تعبّر فيها عن أمنيتها في العام الجديد بعودة الترابط الأسري واختفاء الخلافات، في الوقت ذاته، يبدأ سالفو في الشعور بالغيرة مع عودة الحبيب السابق لزوجته، إضافة إلى إحساسه بأن بُعد المسافة يمنعه من التواجد بجانبها بالشكل الكافي.

وعن طريق المصادفة يكتشف سالفو وفالي وجود بوابة سحرية داخل حاوية قمامة في باليرمو؛ فعندما يدخلانها، يخرجان من حاوية أخرى في ميلانو، والعكس صحيح، ويقومان بنقل الحاويتين، الأولى إلى منزلهما في ميلانو، والثانية إلى مكان منعزل على شاطئ البحر في باليرمو. ومع هذا الاكتشاف المذهل، تصبح حياة الثنائي أسهل بكثير من حيث التنقل بين الشمال والجنوب.

وفي خط درامي موازٍ، يظهر رئيس الوزراء الإيطالي على شاشات التلفاز أكثر من مرة، متحدثًا عن رغبة الدولة الجادة في إنهاء الأزمة بين الشمال والجنوب وسد هذه الفجوة، عبر محاولات تنمية الجنوب، وإعادة بناء البنية التحتية، وتحسين الخدمات لتضاهي ما هو موجود في الشمال، لا سيما مشكلة انقطاع المياه المستمر، التي تُعد من أكبر معاناة سكان صقلية.

ورغم ذلك، وبسبب خطأ بسيط، يصر مدير المستشفى على فصل سالفو وفالي من العمل، ومن هنا يفكر سالفو في استغلال البوابة السحرية من خلال إنشاء “خط صقلية السريع”، الذي ينقل الناس من باليرمو إلى ميلانو والعكس خلال ثوانٍ، مقابل مبلغ مادي بسيط، فأبناء صقلية يتجهون إلى الشمال بحثًا عن فرص عمل أفضل وحياة أسرع، بينما يرغب سكان ميلانو في التوجه جنوبًا للاستمتاع بالبحر والمناخ المعتدل وقضاء الإجازات، ومع مرور الوقت، تصبح حياة سكان المدينتين أكثر سهولة، ويتحول خط صقلية السريع إلى بديل فعّال لوسائل المواصلات التقليدية، التي يهجرها المواطنون، ما يتسبب في خسائر مالية فادحة لشركة الطيران الإيطالية المحلية.

وتحدث تغييرات جذرية في حياة سالفو وفالي نتيجة هذا الاكتشاف السحري، إذ يشعران بأنهما يؤديان مهمة وطنية من خلال استغلال موارد الشمال لتحسين الخدمات في الجنوب. فيقومان بمد خط مياه من ميلانو إلى باليرمو بالتوازي مع عمليات الانتقال السريع للسكان، ليصبح خط صقلية السريع أهم اختراع إيطالي في الألفية الجديدة، هذه البوابة السحرية التي أذابت جبل الجليد بين سكان باليرمو وميلانو، رغم استمرار الأزمة الداخلية لدى الثنائي، والمتمثلة في شعورهما بالذنب لإخفائهما سرًا خطيرًا عن عائلتيهما.

لا ينتهي “خط صقلية السريع” عند حدود حاويتين سحريتين، أو مجرد فكرة خيالية بل في لحظات كوميدية تبدو خفيفة، ينجح فيكارا وبيكوني في كشف ثقل التاريخ، وفي تحويل الضحك إلى جسر، والسخرية إلى وسيلة مصالحة، حيث يلتقي الشمال والجنوب أخيرًا في نقطة واحدة لا يغلب فيها أحدهما الآخر، بل يكتشفان أن الوطن، مثل العائلة، لا يكتمل إلا بتجاور اختلافاته، وبين ميلانو وباليرمو، تتلاشى الجدران، وتبقى الحكاية إن أقصر الطرق إلى الوحدة ليس قطارًا سريعًا ولا بوابة سحرية، بل القدرة على رؤية الآخر.

اقرأ أيضا: دانيس تانوفيتش: السينما الإيطالية الأقرب لي وصنعت أفلامي في زمن الحرب

;