داليا عثمان تكتب: من وجع «ذو الفقاع» إلى شمعة أمل لمصابي الحروق.. حين تصنع زراعة الجلد المعجزة

داليا عثمان
داليا عثمان


يقولون إن الألم يغير الإنسان، لكنني أقول إن الألم "يُعيد خلقنا" من جديد. واليوم، أكتب إليكم بعيدا عن صفتي كإعلامية، لكن كإنسان ذاق مرارة الوجع في جلده، وفهم معنى أن يصبح جسدك هو سجنك ومصدر أنينك الذي لا ينقطع.


لقد خضت رحلة قاسية مع مرض "ذو الفقاع" (Pemphigus)؛ ذلك المرض المناعي الذي يحول الجلد إلى فقاعات وجروح مفتوحة. في تلك الليالي، كنت أتساءل وسط الأنين: "هل هناك معجزة للشفاء؟ وكيف يمكن للبشر أن يتحملوا كل هذا الوجع؟". كان جلدي يحترق في صمت، وهذا الألم جعلني أتوقف طويلاً أمام معاناة مصابي الحروق؛ فإذا كنت بكل ما منحه الله لي من صبر، أكاد أنهار، فكيف بمن التهمت النيران أجسادهم! لقد فتحت معاناتي عيني وقلبي على قسوة ما يعيشه مصابي الحروق.


ووسط تساؤلاتي عن "المعجزة"، وجدت الإجابة في الفيديو الذي تم تداوله مؤخرا عبر منصات  السوشيال ميديا حول الاحتفال بشفاء الشاب إبراهيم السعيد الذي واجه حروقاً بنسبة 75% وخضع لـ 45 جراحة، وعاد للحياة بفضل تقنية "زراعة الجلد". هنا أدركت أن المعجزة ليست مستحيلة، بل هي ثمرة للعلم والرحمة معاً.


فقصة الشاب إبراهيم السعيد في مستشفى أهل مصر مثالا حيا لما يمكن أن تصنعه هذه المعجزة. فبعد إصابته بحروق بالغة غطت 75% من جسده، كان اليأس يتسلل إلى القلوب، لكن الإيمان بجدوى زراعة الجلد كان أقوى. وبفضل تقنية زراعة الجلد الطبيعي وجهود فريق طبي لم يستسلم، استطاع إبراهيم أن يخطو خطواته الأولى خارج المستشفى. قصة إبراهيم تقول لنا إن كل جزء نتبرع به قد يكون هو "المعجزة" التي ينتظرها شخص ما ليحيا مرة ثانية.


إن تجربتي مع المرض جعلتني أدرك أن العائق أمام إنقاذ آلاف المرضى ليس طبياً فحسب، بل هو "موروث ثقافي" نحتاج لكسره. فبينما يتقدم العلم، لا يزال البعض منا أسيراً لموروثات ثقافية ومخاوف تجعل "التبرع بالأعضاء" موضوعاً شائكاً؛ لذا نحن بحاجة إلى تغيير نظرتنا للتبرع بالأعضاء والأنسجة بعد الوفاة؛ فالعطاء هو الإرث الحقيقي الذي لا يفنى.


والحقيقة التي يجب أن نواجهها بشجاعة هي أن الإرث الحقيقي الذي يجب أن نتركه خلفنا هو "الحياة"؛ فالتبرع بالأعضاء بعد الوفاة يعد من الصدقات الجارية التي حث عليها الدين واستند هنا إلى قول الله في كتابه الكريم "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً".


لذا، أجد في نفسي ترحيباً كبيراً بمقترح النائبة أميرة صابر بتأسيس بنك وطني للأنسجة وتيسير إجراءات التبرع بالجلد بعد الوفاة، وهو ما يعد حلاً استراتيجياً لإنقاذ آلاف المصابين بالحروق الشديدة، وتسهيل العمليات الطبية، ووضع إطار مؤسسي واضح يضمن الشفافية والسرعة في إنقاذ الأرواح، ويؤكد أن مصر تخطو خطوات جادة نحو منظومة صحية أكثر إنسانية، والأهم أنه سيكون طوق النجاة والأمل لكل مصاب حروق ينتظر "قطعة جلد" تعيد إليه إنسانيته وحياته.


ففي ممرات المستشفيات الهادئة، حيث يتنفس الصمت وجعاً، وتعد الثواني ثقيلة على صدور المتعبين، هناك من ينتظر.. لا ينتظر دواءً أو مسكناً، بل ينتظر "حياة" تأتيه من غريب لا يعرفه، يهديه جزءاً من جسده ليُكمل هو الحكاية.


زراعة الأعضاء هي أعظم قصة حب لم تُكتب بالكلمات، بل كُتبت بالدم والأنفاس. هي تلك اللحظة التي يقرر فيها إنسان أن يكون "بطلاً" في حياة شخص لا يملك سوى الأمل. حين ينتقل عضو من جسد إلى آخر، فنحن لا نزرع نسيجا بشريا فحسب، بل نحيي معه أحلام مريض كان يودع العالم، وضحكات كانت ستنطفئ، ودموع أم أو أحباء كانوا يخشون فقد عزيز عليهم.


نعم، المعجزة تكمن في "التكافل"؛ علمتني رحلتي أن الشفاء ليس في الدواء فحسب، بل في يد تمتد لتزرع الأمل، وفي تشريع مثل الذي تقدمت به النائبة أميرة صابر، وفي صرح طبي وفريق محترف كالذي أنقذ الشاب إبراهيم، في بشر يدركون أن مريض الجلد لا يحتاج لعلاج جروح جسده الظاهرة فحسب، لكنه في حاجة أكبر إلى ترميم. إن إحساسي بالآخرين اليوم هو الثمرة الوحيدة الجميلة التي جنيتها من مرضي، وهي التي تدفعني لأقول: "تبرعوا بالأعضاء، لتكونوا أنتم المعجزة التي ينتظرها مريض يصارع الألم، وسببا لعودة ابتسامة إلى وجوه عرفت طعم المعاناة".