حروب الإبادة فى «زمن القلق»

كتاب «زمن القلق السياسى.. البطولة والخيانة
كتاب «زمن القلق السياسى.. البطولة والخيانة


فى زمن تتسارع فيه التحولات الدولية وتتشابك فيه مسارات الصراع السياسى والعسكرى والاقتصادى، يأتى الجزء الأول من كتاب «زمن القلق السياسى.. البطولة والخيانة والجفاف والفيضانات والإبراهيمية وحروب الإبادة» للكاتب الصحفى والباحث السياسى السيد الحرانى «الصادر عن دار أكتب للنشر» بوصفه محاولة جادة لفهم لحظة عالمية مأزومة، لم يعد فيها القلق مجرد حالة نفسية عابرة، بل تحول إلى بنية حاكمة للعلاقات الدولية، ومكون أصيل فى تشكيل الوعى الجمعى للشعوب، خاصة فى المنطقة العربية والشرق الأوسط.
ينطلق الكتاب من فرضية مركزية مفادها أن العالم يعيش مرحلة قلق مركب، يتجاوز حدود الصراعات التقليدية بين الدول، ليمتد إلى صراعات على الوعى والهوية والمعلومة والدين، حيث لم يعد الإنسان مجرد ضحية جانبية للحروب، بل أصبح هو نفسه ساحة الصراع الأساسية. فالمعركة، كما يطرحها المؤلف، لم تعد تدار فقط بالدبابات والطائرات، وإنما بالخطاب والسردية وإعادة تشكيل المفاهيم.
وفى تصريحات خاصة، يؤكد المؤلف السيد الحرانى أن كتابه لم يُكتب من موقع التنظير أو المراقبة البعيدة، بل من قلب اللحظة التاريخية بكل ما تحمله من ارتباك وتهديد وانكسار، قائلا: «هذا الكتاب كُتب من قلب القلق، لا من هامشه. حاولت أن أفهم لا أن أروض الخوف، وأن أطرح الأسئلة التى يخشاها كثيرون، لأن أخطر ما نعيشه اليوم ليس الحروب وحدها، بل تغييب الوعى، وتطبيع الانكسار».
وعن القلق كظاهرة سياسية وأخلاقية يعالج الكتاب القلق بوصفه ظاهرة سياسية وأخلاقية فى آن واحد، لا مجرد انعكاس لحالة عدم الاستقرار. فالحرانى يرى أن القلق يفضح غياب المشروعات الكبرى القادرة على إنتاج معنى أو أفق للمستقبل. وفى هذا السياق، يربط بين تصاعد الأزمات البيئية مثل: الجفاف والفيضانات والتغير المناخى، وبين تهديدات مباشرة للأمنين المائى والغذائى، معتبرًا أن هذه الأزمات ليست كوارث طبيعية فقط، بل نتائج مباشرة لنظام عالمى مختل فى أولوياته وقيمه.
كما يتناول الكتاب الحروب والنزاعات المسلحة المعاصرة، ليس بوصفها أحداثا منفصلة، بل باعتبارها حلقات فى سلسلة واحدة تعيد تشكيل موازين القوى الدولية، وتكشف فى الوقت ذاته عجز القانون الدولى ومؤسساته عن حماية الشعوب الضعيفة، فى ظل منطق القوة والمصالح.
وعن فلسطين فى قلب القلق العالمى تحتل القضية الفلسطينية موقع الصدارة فى الكتاب، حيث يقدم المؤلف تحليلًا موسعًا لحرب السابع من أكتوبر، وتداعياتها السياسية والإنسانية، موثقًا ما تعرض له قطاع غزة من قتل وتدمير ممنهج، ويصفه كنموذج صارخ لجرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقى، فى ظل صمت دولى وتواطؤ سياسى مكشوف.
وعن الموقف المصرى وتحديات الإقليم يتوقف الكتاب عند الموقف المصرى من العدوان على غزة، مسلطًا الضوء على ما يصفه بالموقف الصلب للدولة المصرية فى مواجهة محاولات جرها إلى صدام عسكرى مباشر، أو دفعها نحو القبول بمشروعات التوطين القسرى للفلسطينيين فى سيناء. ويبرز المؤلف دور القيادة المصرية، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى، فى التمسك بثوابت الأمن القومى المصرى، والدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى، معتبرًا أن استهداف مصر أو إضعاف دورها هو جزء من مشروع إقليمى ودولى أوسع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط.
ويقول الحرانى فى هذا السياق: «مصر ليست دولة عابرة فى هذا الإقليم، وأى محاولة لإضعافها هى جزء من مشروع أكبر لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، والصمت عن ذلك خيانة للوعى قبل أن يكون خيانة للوطن».
ويمتد التحليل ليشمل التحديات التى تواجه النظام المصرى فى ظل مشهد إقليمى بالغ  الاضطراب، مؤكدًا أن «زمن القلق السياسى» لا يعبر عن أزمة عابرة، بل عن حالة بنيوية تضرب المنطقة بأكملها، فى ظل غياب مشروع عربى مستقل قادر على الفعل والتأثير.