كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، والشارع الهادئ في قرية الخضيري بمركز منية النصر، في محافظة الدقهلية، لم يتوقع أحد أن يتحول في لحظة إلى مسرح جريمة.. خلاف مالي كاد ينتهي بمأساة لولا تدخل رجل اعتاد أن يقف دائمًا حكمًا بين الناس، رجل اختار أن يكون جدارًا يحمي غيره، فدفع حياته ثمنًا لشهامة لم يتخل عنها حتى آخر لحظة.. تفاصيل مأساوية ومثيرة عن تلك القصة وكلمات قاسية من رئيس المحكمة للمتهمين وحكم رادع نسردها في السطور التالية.
سميح مسعد، رجل في منتصف الأربعينيات من العمر، تاجر ومرشح لعمودية قرية الخضيري بمنية النصر التابعة لمحافظة الدقهلية، معروف بين الأهالي بالطيبة والشهامة وحسن الخلق، دائمًا ما يتدخل في جلسات الصلح العرفية، كما يتولى رعاية بعض الأسر اجتماعيًا، وله مساهمات خيرية كثيرة، ولم يتخيل أنه في يوم من الأيام سيدفع حياته ثمنًا لشهامته.
في أحد الأيام وأثناء سيره في الشارع، وجد شخصين بحوزتهما سلاح ناري يستوقفان شابًا من القرية على إثر خلاف مالي بينهم، لم يكن سميح طرفًا في الخلاف، ولم يعرف أن خطوته للأمام ستكون الأخيرة في حياته، عندما وجد المشاجرة فعل ما اعتاد عليه طوال سنوات تدخل ليُصلح بينهم، لكن يبدو أن المتهمين ملأ الحقد قلبيهما فأعمى بصيرتهما فأصبحا لا يريان سوى الدم، فترصدا له وأطلقا عليه وابلا من الرصاص.
عيار ناري استقر في صدر العمدة سميح، أسقطه أرضًا وسط صرخات الأهالي، بينما فرا المتهمان هاربين على دراجة بخارية، تاركين خلفهما جسد رجل كان يحاول منع الدم فصار هو الدم.
نُقل سميح إلى مستشفى ميت سلسيل المركزي في حالة حرجة، لكنه فارق الحياة فور وصوله، لتتحول محاولة الصلح إلى جريمة قتل مكتملة الأركان، بطلها رجل لم يحمل سلاحًا يومًا، واختار الكلمة بدل العنف.
حالة من الحزن سيطرت على الأهالي وودعوه لمثواه الأخير في مشهد جنائزي مهيب، وطالبوا بالقصاص العادل من المتهمين اللذين قتلاه دون ذنب.
بلاغ
تلقت الأجهزة الأمنية بمديرية أمن الدقهلية، إخطارا من غرفة عمليات النجدة تضمن ورود إشارة من المستشفى العام أفادت باستقبال جثمان أحد المرشحين للعمودية بإحدى قرى منية النصر في الدقهلية يرتدي كامل ملابسه وبها طلق ناري في الصدر، وبالانتقال والفحص عثر على جثمان سميح مسعد متوفى.
أثبتت التحريات أن المجني عليه كان يفض مشاجرة بين عامل وعاطلين وتدخل للصلح بينهما، فأطلقا عليه الرصاص.. وتمكنت الأجهزة الأمنية من إلقاء القبض على المتهمين وأحيلا للجنايات.
القصاص
ظلت القضية متداولة داخل ساحة المحكمة، حتى جاءت اللحظة الحاسمة، لحظة النطق بالحكم.
وقبل النطق بالحكم، وجه المستشار وائل كمال صالح، رئيس محكمة جنايات المنصورة، كلمات قاسية للمتهمين، قائلا: «إن المحكمة وهي بصدد النطق بحكمها، قد طالعت أوراق دعواكما بقلب يملؤه الأسى، لا شفقة عليكما، بل حزنًا على ما آلت إليه نفوس جبلَها الله على الفطرة، فاستحببتما أنتما الغواية على الهدى.. لقد جعلتما من أنفسكما آلهة من بطش في قرية آمنة، واستبحتما الدماء والأعراض لأجل تجارة آثمة، لا تجني إلا الموت، ولا تزرع إلا الدمار، لم تأخذكما بالمجني عليه الأول هيثم محمد رأفة، ولم يردعكما عن غيكما صوت عقل أو وازع دين».
واستكمل رئيس المحكمة: «أما المجني عليه الثاني سميح مسعد ذلك الرجل الذي لم تكن له في خصومتكم ناقة ولا جمل، بل ساقته مروءته ليكون صوتًا للحق في زمن أردتم فيه إسكات كل صوت شريف.. فقد قتلتماه بدم بارد، لا لشيء إلا لأنه ذكركما بآدميتكما التي نسيتموها، فاستكبرتما في الأرض بغيرِ الحق، وظننتما أن سطوتكما وسلاحكما سيحميكما من بأس الله وقوة القانون»
وأضاف: «إن المحكمة قد اطلعت على تسجيلات الكاميرات التي رصدت غدركما، فرأت فيها وجهًا قبيحًا للظلم، رأينا فيها كيف وجهتما فوهات الموت بدم بارد صوب صدور الأبرياء، وحين استقرت رصاصة الغدر في صدر رجل أعزل، جئتما اليوم تتباكيان خلف قضبان المحكمة زاعمين أن النصل قد انزلق، وأن الرصاص قد أخطأ مساره.. كلا، بل إن قلوبكما هي التي أخطأت مسار الرحمة، وأقدامكما هي التي ضلت طريق الهدى، فجاءت الكاميرات لتكون شاهدا عدلاً لا يكذب، فضحت ستركما، وأبطلت زيف ادعائكما.. إن المحكمة وهي تقتص لدم الشهيد الذي قُتل غدرًا وهو يسعى للصلح، تعلن للدنيا أن المروءة لا تموت بموت أصحابها، وأن يد العدالة أطول من طغيانكما، وأقوى من جبروتكما.. لقد أفسدتما في الأرض، وروّعتما الآمنين، فحق عليكما قول الحق سبحانه: «إنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا».
ثم تلا رئيس المحكمة الحكم على المتهمين قائلا: «أجمع أعضاء المحكمة آراءهم، بعد استطلاع رأي فضيلة مفتي الديار المصرية، على استئصال شأفتكما من المجتمع، تطهيراً للأرض من شروركما، وليكون في القصاص حياة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.. حكمت المحكمة حضورياً بإجماع الآراء بمعاقبة كل من محمد حسن، وإبراهيم محمد بالإعدام عما أسند إليهما من اتهامات وبمصادرة الأسلحة النارية والذخائر والدراجة النارية المضبوطة، وألزمت المحكوم عليهما بالمصاريف الجنائية، وفي الدعوى المدنية بإلزام المتهمين بأن يؤديا للمدعي بالحق المدني مبلغ خمسة عشر ألف جنيه على سبيل التعويض المدني المؤقت وألزمتهما بالمصاريف ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة».
لينتهي بهذا الحكم فصول تلك القصة المأساوية لتصبح عنوانا للحقيقة ونهاية منطقية لكل من تسول له نفسه ارتكاب جريمة.
اقرأ أيضا: مصرع طفل خنقاً على يد أصدقائه أثناء اللهو بقرية اللوزي بالداقهلية
بأمر الأم.. الأبناء تحولوا إلى قتلة
ضبط 50 طنًا بودرة سامة داخل مصنع بالدقهلية كانت ستتحول لأطباق طعام
ضربات حاسمة من الداخلية.. مصادرة أطنان من السموم بقيمة 470 مليون جنيه







