رفض أن «يغششه» امتحان التاريخ.. فشوه وجهه بـ« كتر» خارج أسوار المدرسة

الضحية
الضحية


الشرقية‭ - ‬إسلام‭ ‬عبدالخالق

 في صباح بدا عاديًا في مدينة الزقازيق عاصمة محافظة الشرقية، لم يكن أحد يتوقع أن يتحول امتحان مادة التاريخ، ذلك الامتحان الذي يُفترض أن يقيس قدرة الطلاب على استدعاء وقائع الماضي، إلى واقعة دامية ستظل محفورة في ذاكرة مدرسة هرية رزنة الثانوية المشتركة، وربما في ذاكرة التعليم كله؛ صباح خرج فيه طلاب الصف الأول الثانوي العام من بيوتهم بحقائب مدرسية خفيفة وقلوب مثقلة بالتوتر المعتاد قبل الامتحانات، لكن أحدهم عاد محمولًا على الألم، وآخر اختار طريق الهروب، تاركًا خلفه أسئلة لا تقل قسوة عن الأسئلة المطبوعة في كراسة الامتحان.

داخل لجنة الامتحان، جلس «حمزة» الشهير بين زملائه بـ«عرفة دوكو»، في مقعده محاولًا أن يخفي ارتباكه؛ التاريخ لم يكن مادته المفضلة، والورقة أمامه بدت كجدار عالٍ لا يعرف كيف يتسلقه، وهناك، في المقعد القريب، كان «عمار» زميله في الصف، هادئا كما تسبقه صورته الذهنية لدى زملائه، يراجع الأسئلة بعينين مركزتين، كأنه يحاول أن يستدعي ما فهمه خلال ليالٍ طويلة من المذاكرة، وبين الطالبين لم يكن هناك عداء سابق ولا خصومة معلنة، فقط معرفة مدرسية عابرة، لكن تلك المعرفة العابرة ستتحول بعد ساعات قليلة إلى جريمة مكتملة الأركان.

مال «حمزة» بكامل جسده تجاه «عمار»، همس له بصوتٍ منخفض بالكاد يُسمع، طالبًا منه أن «يغششه»، أن يمنحه إجابة أو اثنتين تعينه على تجاوز ورقة الامتحان، وقتها كان الطلب في حد ذاته ليس جديدًا على لجان الامتحانات، فكثيرًا ما تُختبر أخلاقيات الطلاب في مثل هذه اللحظات، لكن رد «عمار» كان حاسمًا، رفض بهدوء، دون استهزاء أو تعالٍ، فقط قال «لا»، وعاد ينظر إلى ورقته.

لم يعلم «عمار» أن تلك الكلمة الصغيرة «لا» ستتحول إلى شرارة تشعل عنفًا لا يليق بسن الطلاب ولا بحرمة المدرسة؛ فما أن انتهى الامتحان، وبلغ عقرب الساعات تمام نهاية الوقت المخصص للإجابة معلنًا خروج الطلاب، ضجت الساحة بأصواتهم، بعضهم يضحك، بعضهم يناقش الإجابات، وآخرون يلعنون صعوبة الأسئلة، وبينهم خرج مثل الجميع، يحمل كراسته ويستعد للعودة إلى منزله، لكنه لم يعلم أن هناك من ينتظره خارج أسوار اللجنة، لا ليعاتبه أو يناقشه، بل لينتقم.

سلاح «كتر»!

في زاوية قريبة من المدرسة، حيث تقل الحركة ويخف الزحام، ظهر «حمزة»، لم يعد طالبًا مرتبكًا من امتحان كما كان قبل قليل داخل اللجنة، بل مراهق أرعن مشحونًا بالغضب، في يده سلاح حاد (كتر)، أداة صغيرة لكنها قادرة على إحداث أذى بالغ، لم يمنحه الغضب وقتًا للتفكير، ولم يمنحه العقل فرصة للتراجع، فقط اقترب من «عمار» وبلا مقدمات انهال عليه ضربًا، مستهدفًا الرأس والوجه، مناطق لا تحتمل العبث ولا تقبل الخطأ.

صرخات «عمار» اخترقت المكان، دماؤه سالت على وجهه ورأسه، في مشهد صادم لطلاب كانوا قبل دقائق يتناقشون في أحداث تاريخية، فإذا بهم يشهدون حدثًا دمويًا سيصبح هو نفسه جزءًا من تاريخ المدرسة، وفي الوقت الذي حاول بعضهم التدخل، البعض الآخر تجمد في مكانه من هول المفاجأة، وآخرون ركضوا طلبًا للمساعدة، أما «حمزة» فاختار الفرار، ترك خلفه زميل الأمس ملقى على الأرض، وسؤالًا مرعبًا لمع في ذهن من له في عقله نصيبًا من الرجاحة: «كيف وصلنا إلى هنا»؟!

نُقل عمار على وجه السرعة إلى مستشفى الأحرار التعليمي بمدينة الزقازيق، وفي غرفة الطوارئ، كان الأطباء والممرضون يحاولون السيطرة على النزيف، تقطيب الجروح القطعية في الرأس والوجه، وتقديم الإسعافات اللازمة، وبين كل هذا جسد صغير يتحمل ألمًا أكبر من عمره، ووجه كان يفترض أن يحمل ملامح مراهق عادي، صار يحمل غرزًا وشقوقًا ستبقى آثارها شاهدًا على لحظة عنف غير مبررة استلزم تقطيبها أكثر من 40 غرزة طبية.

في المستشفى، لم يكن الألم الجسدي وحده هو ما يؤرق «عمار»، بل كانت الصدمة كذلك؛ صدمة أن يتحول زميل دراسة إلى معتدٍ، وأن يكون سبب الاعتداء مجرد رفضه للغش، تلك الصدمة التي لا تعالجها الغرز الطبية، بل تحتاج إلى وقت طويل، وربما إلى دعم نفسي لم يفكر فيه أحد بعد.

في الوقت نفسه، تكثف مباحث مركز شرطة الزقازيق تحرياتها للقبض على التلميذ المتهم، حيث سُجلت أقوال المجني عليه، وذُكرت تفاصيل الواقعة، من طلب الغش إلى الاعتداء والفرار، وكانت الأوراق تحمل أسماء طرفين: المتهم «حمزة» الشهير بـ«عرفة دوكو»، والمجني عليه «عمار»، طلاب بالصف الأول الثانوي العام في مدرسة «هرية رزنة» الثانوية المشتركة، أسماء قد تبدو عادية على الورق، لكنها في الواقع تحمل حكاية جيل يواجه ضغوطًا تتجاوز قدرته على الاحتمال.

ومهما ظل المتهم طليقًا حتمًا سيقع في قبضة رجال الشرطة، في لقاء مع المجني عليه أوضح لـ «أخبار الحوادث»؛ أن مرارة ما حدث تتضاعف أمام عينيه حتى يرى من نال منه وتسبب في جروح وجهه يتم اقتياده مكبلًا إلى قضبان الحجز لينال جزاءه بعد، وحتمًا سوف يحدث هذا.

«عمار»، الطالب الطيب الذي خرج من الامتحان مصابًا، وجد نفسه مضطرًا إلى إطلاق استغاثة، لا من أجل التعاطف فقط، بل من أجل العدالة؛ استغاثة تطالب بضبط المعتدي، ليس انتقامًا، بل حماية، حتى لا تتكرر المأساة مع طالب آخر، وحتى لا يصبح العنف خيارًا سهلًا لكل من لم تعجبه نتيجة امتحان أو موقف داخل لجنة.

ساعات قليلة فصلت بين الحادث وحديث المجني عليه وصدور أمر فورى من النيابة العامة بمركز شرطة الزقازيق بضبط وإحضار المتهم (طالب بالصف الأول الثانوى العام في مدرسة هرية رزنة الثانوية المشتركة)؛ على خلفية اتهامه بالتعدي على زميله بواسطة سلاح أبيض (كتر) عقب انتهاء امتحان مادة التاريخ للفصل الدراسي الأول، حيث بينت التحريات الأولية وقوع الحادثة خارج أسوار المدرسة.

بلاغ 

البداية كانت بتلقي الأجهزة الأمنية في مديرية أمن الشرقية، إخطارًا يفيد بورود إشارة من مستشفى الأحرار التعليمي في مدينة الزقازيق بوصول «عمار محمد عبدالرحيم سعيد السيد»، طالب في الصف الأول الثانوي العام في مدرسة هرية رزنة الثانوية المشتركة، يقيم في مركز الزقازيق، مصابًا بجروح قطعية في الوجه والرأس.

قدمت الإسعافات الأولية والرعاية الطبية اللازمة للطالب المصاب فور وصوله، حيث استلزم تقطيب جروحه أكثر من 40 غرزة طبية، وبسؤاله عقب تلقي الإسعافات الطبية والعلاج اللازم، اتهم زميل له بالتعدي عليه وإحداث إصابته بواسطة سلاح أبيض (كتر) بعدما رفض تغشيشه في امتحان مادة التاريخ.

المجني عليه أفاد في أقواله بتعرضه للاعتداء من قبل المتهم «حمزة ال م ع» الشهير بـ«عرفة دوكو»، الطالب بذات المدرسة، لافتًا إلى أن المتهم استخدم سلاح (الكتر) عقب خروجهما من الامتحان، نتيجة رفضه تغشيش المتهم أثناء أداء الامتحان، وتحرر عن ذلك محضر بالواقعة، وأخطرت النيابة العامة لمباشرة التحقيقات، حيث طلبت تحريات المباحث الجنائية حول الواقعة وملابساتها وكيفية حدوثها، والتقرير الطبي الخاص بإصابات المجني عليه، وأمرت بضبط وإحضار الطالب المتهم وسلاح جريمته.

اقرأ أيضا: سلخانة زوجة الأب.. الأم تركت بناتها وتزوجت والأب سافر للخارج والطفلتان دفعتا الثمن

;