لم تعد المواجهة فى العلاقات الدولية مقتصرة على الأدوات العسكرية أو السياسية التقليدية، فى ظل التحول المتسارع فى طبيعة الصراعات المعاصرة، حيث امتدت ساحاتها إلى الفضاء الرقمى، وفى هذا الإطار، برزت «الكتائب الإلكترونية» كإحدى أدوات الضغط والتأثير غير المباشر فى السياسات الخارجية وصناعة الرأى العام، بما ينعكس على علاقات الدول بعضها ببعض.
وبحكم موقع مصر الإقليمى ودورها السياسى المحورى، كانت مصر من بين الدول التى استهدفتها حملات رقمية منظمة، وقف خلفها جهات معلومة ، خاصة خلال فترات التوترات الإقليمية أو عند مناقشة قضايا تتعلق بمصر فى المحافل الدولية.
اقرأ أيضًا | نور الشيخ: «السيطرة الصامتة» محاولة لفهم الحروب النفسية في عصر الفضاء الرقمي
وقد سعت هذه الحملات إلى محاولة تشويه صورة الدولة المصرية لدى الرأى العام الخارجي، خاصة فى الدول الغربية، عبر بناء سرديات سلبية متكررة ، وقد اعتمدت الكتائب الإلكترونية التى تحركها جهات معادية لمصر على استراتيجيات مُمنهجة، تقوم على نشر معلومات مضللة أو «مُجتزأة»، وإعادة تدوير روايات أحادية الاتجاه حول الأوضاع السياسية والأمنية وملفات حقوق الإنسان.
وجرى توجيه هذه الحملات بشكل أساسى نحو الرأى العام الغربي، والبرلمانات الأوروبية، ومنظمات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام الدولية، بهدف خلق ضغط إعلامى وسياسى مستمر على صناع القرار فى الخارج ، وفى بعض الحالات والفترات ، أسهم هذا الزخم الرقمى فى تكوين انطباعاتٍ سلبية لدى قطاعات من الرأى العام فى دول بعينها، كما جرى توظيف هذه الروايات فى بياناتٍ أو مواقف سياسية صدرت عن برلمانات أو مؤسسات دولية، لا سيما فى أوروبا. ورغم أن هذه الضغوط لم تؤدِ فى الغالب إلى تغييراتٍ جوهرية فى السياسات الرسمية تجاه مصر، إلا أنها فرضت على الدبلوماسية المصرية التعامل الدائم مع تداعيات خطاب رقمى «مسيّس».
فى مواجهة ذلك، طورت الدبلوماسية المصرية مقاربة شاملة لمجابهة التأثيرات السلبية للكتائب الإلكترونية، ارتكزت على عدة محاور متكاملة، فى مقدمتها: الدبلوماسية التفسيرية والإعلامية. فقد حرصت وزارة الخارجية على تعزيز التواصل المباشر مع الحكومات، ومراكز الفكر، ووسائل الإعلام الدولية، عبر تقديم رواية متكاملة قائمة على الأرقام والوقائع، وشرح السياقات السياسية والأمنية التى تتجاهلها الحملات المعادية عمدًا.
وفى هذا السياق، عقد وزير الخارجية والهجرة د. بدر عبد العاطى ، لقاءاتٍ موسعة مع عدد من المراكز البحثية والفكرية الدولية فى العواصم الأوروبية وواشنطن، شملت معاهد دراسات العلاقات الدولية، ومراكز أبحاث الأمن والسياسات العامة.
وركزت هذه اللقاءات على شرح دور مصر فى مكافحة الإرهاب، وتأمين الممرات الملاحية، وإدارة ملفات الهجرة غير النظامية، وأمن الطاقة، باعتبارها قضايا ترتبط مباشرة باستقرار المنطقة وأمن الشركاء الدوليين، وغالبًا ما يتم عزلها عن سياقها الحقيقى فى الحملات الرقمية المعادية.
كما شملت الجهود الدبلوماسية لقاءاتٍ مباشرة مع أعضاء البرلمانات الأجنبية، وفى مقدمتها: البرلمان الأوروبى وبرلمانات الدول الشريكة، حيث ناقش وزير الخارجية وكبار المسئولين المصريين ملفات حقوق الإنسان، والإصلاحات الاقتصادية، وبرامج الحماية الاجتماعية، إلى جانب التطورات التشريعية والمؤسسية فى مصر.
وأسهم هذا التواصل فى تقليص الفجوة بين الخطاب الرقمى المُتداول والواقع العملي، والحد من تأثير الضغوط الإعلامية على بعض المواقف البرلمانية.
وامتد هذا الانخراط ليشمل لقاءات مع ممثلى منظمات المجتمع المدني، والهيئات الحقوقية، ، ومؤسسات الفكر غير الحكومية فى عدد من الدول المؤثرة. وخلال هذه اللقاءات، تم التأكيد على نهج الدولة المصرية فى التعامل مع القضايا الحقوقية والاجتماعية من منظور شامل يوازن بين متطلبات الأمن القومى وضرورات التنمية المستدامة، بما ساهم فى فتح قنوات حوار مباشرة بعيدًا عن الوساطة الإعلامية التى غالبًا ما تستغلها الكتائب الإلكترونية لفرض صورة أحادية ومشوّهة.
وبالتوازى مع ذلك، جرى تفعيل الحضور الرقمى الرسمي، حيث شهدت الحسابات الرسمية للسفارات المصرية بالخارج نشاطًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، أسهم فى الرد السريع على الادعاءات المغلوطة، ونشر بيانات توضيحية بلغات متعددة، وكسر احتكار الرواية التى سعت الكتائب الإلكترونية إلى فرضها على الفضاء الرقمي.
كما اعتمدت مصر على الدبلوماسية البرلمانية والمسار متعدد الأطراف، من خلال توسيع دوائر التواصل مع المؤسسات الدولية ومنظمات الأمم المتحدة، بما عزز من قدرة القاهرة على نقل مواقفها بشكل مباشر، بعيدًا عن الضغوط الإعلامية الرقمية.
«الصحة» تعلن استفادة 18 مليون مواطن من مبادرة الكشف المبكر عن الأورام السرطانية
انتهاء مناسك الحج رسميًا اليوم
بتكلفة تخطت ٢ مليار جنيه| «المجمع الحكومى الذكى» نقلة حضارية بالوادى الجديد







