القانون فى جوهره ليس نصوصًا تُفصل على مقاس الأفراد أو تكتب لإرضاء فئة بعينها، بل هو قاعدة عامة مجردة تستهدف تنظيم المجتمع بأسره، حاضرا ومستقبلاً، فحين يتحوّل إلى أداة لإرضاء الأطراف المختلفة، يفقد هيبته ويتحول من ميزان للعدل إلى ساحة مساومات.
والمشرع حين يضع نصًا لا ينظر إلى حالة فردية، وإنما إلى ظاهرة اجتماعية واحتياج عام وأثر ممتد عبر الزمن، لذلك فالتشريع ليس قرارًا لحظيًا، بل رؤية طويلة الأمد تجمع بين العدالة والاستقرار، وأخطر ما قد يواجه أى قانون هو محاولة جره إلى مساحة الإرضاء الفردي، لأن ذلك يُفقده صفته العامة ويجعله أقرب إلى الاستثناء، بينما العدالة لا تقوم على الاستثناء بل على العمومية والتجرّد.
ولقد شهدت الساحة التشريعية عبر محطات متعددة مطالب متباينة، فالموظف يسعى لمزايا أوسع، وصاحب العمل يطالب بمرونة أكبر، والمستأجر يبحث عن حماية مطلقة، بينما المؤجر يطالب بحقوق أوسع، هذه التباينات تؤكد أن القانون لا يمكن أن يُفصل على هوى كل طرف، بل يجب أن يبقى قاعدة عامة تُوازن بين المصالح وتُرسخ المصلحة المجتمعية الكلية.
وفى النهاية يبقى القانون هو لغة الدولة حين تتعدد الأصوات، وهو الميزان الذى لا يميل مع الرغبات ولا ينحاز للأشخاص، بل ينحاز فقط للعدل والمصلحة العامة، فالدول لا تُبنى بنصوص تُرضى الجميع مؤقتًا، وإنما بتشريعات راسخة تُطمئن المجتمع طويلًا.
وشهد الواقع جدلًا واسعًا حول قوانين العمل، والإيجارات، والأحوال الشخصية، والضرائب، وفى كل مرة ينقسم الرأى العام بين مؤيد ومعارض، لكن التجربة أثبتت أن القانون الحى هو الذى يثير النقاش لا الذى يمر فى صمت، فالجدل لا يعنى ضعف التشريع، بل يعكس تأثيره المباشر فى حياة الناس.. ومع ذلك تبقى الحقيقة الثابتة أن القانون لا يمكن أن يرضى الجميع، لأن العدالة ليست جمع رغبات متناقضة، بل هى موازنة دقيقة تضمن لكل ذى حق حقه دون إفراط أو تفريط.
صياغة القوانين علم دقيق يقوم على الوضوح والعمومية وقابلية التطبيق والاتساق مع الدستور والقيم المجتمعية، فالنص القانونى هو الذى يُفهم بلا لبس، ويُطبق بلا تعسف، ويصمد أمام تغير الزمن، لذلك تمر مشاريع القوانين بمراحل دراسة ونقاش داخل مجلس النواب، إلى جانب حوار مجتمعى مطول، ليس ترددًا بل إدراكًا لخطورة الأثر الذى يمتد لسنوات طويلة، وقد يأتى تعديل القانون لاحقًا لا اعترافًا بخطأ، بل استجابةً لتطور المجتمع وتبدل احتياجاته وتغير ظروفه.
القانون ليس خصمًا للمواطن، بل ضمانته حين يختلف، ومرجعه حين يُظلم، قد لا يمنح كل فرد ما يتمناه، لكنه يمنح المجتمع ما يحتاجه: الاستقرار واليقين والعدل المتوازن، وقوة القانون الحقيقية تكمن فى أنه لا يُفصل على مقاس أحد، بل يتسع للجميع، فيشعر كل فرد، ولو بعد حين، أن ميزانه مستقيم لا يميل، وأن هناك قانونًا يحميه ويحتكم إليه.
فقهاء القانون يؤكدون أن التشريع فى الدولة الحديثة ليس نصوصًا تُكتب لإرضاء الناس، بل قواعد تُصاغ لحماية الناس، فالعدل لا يُقاس بمدى الرضا اللحظي، بل بمدى استقرار المجتمع، وهيبة القانون لا تأتى من شدته، بل من عموميته وتجرده، فكلما ابتعد النص عن الأشخاص اقترب من العدالة.
ينتظر المصريون مشروعات القوانين ويطالبون اللجنة التشريعية بمجلس النواب بضرورة خروجها وفقًا لظروفهم، لكن الحقيقة أن القانون لا يُفصل حسب الظروف الشخصية لأحد، بل تُوضع نصوصه ليكون صامدًا أمام تغيّر الظروف، وضامنًا لحقوق الجميع دون استثناء.

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







