أما بعد

الإخوان..فى زمن الـ Ai

أحمد باشا
أحمد باشا


من الخطأ الفادح سياسياً وأمنياً، التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين بوصفها صفحة طُويت، أو تنظيماً انتهى مفعوله بعد الضربة القاصمة التى تلقاها فى مصر عقب ثورة 30 يونيو، وما تلاها من تفكيكٍ بنيوي، وتجفيفٍ لمصادر التمويل، وضربات أمنية مُوجعة أطاحت برءوسه وقياداته التاريخية. فالتاريخ لا يعرف التنظيمات العقائدية التى تموت دفعة واحدة، بل يعرف فقط تلك التى تغير جلدها، وتبدل أدواتها، وتعيد تعريف ذاتها وفق ميزان القوة الجديد.

لا جدال فى أن الإخوان تراجعوا تنظيمياً وجماهيرياً فى مصر، وتقلص نفوذهم فى عدد من الدول العربية، واهتزت صورتهم التى طالما سوقوا لها باعتبارهم «البديل الأخلاقي» و«القوة المنقذة». لكن هذا التراجع لا يعنى القضاء النهائي، بقدر ما يشير إلى انتقال الجماعة من طورها التقليدى إلى مرحلة أكثر سيولة، وأشد تعقيداً، وأصعب فى الرصد والمتابعة.

لقد أدركت الجماعة، مبكراً أن المساجد لم تعد ساحاتٍ آمنة للتجنيد، وأن الجامعات لم تعد بيئة صالحة لصناعة الكوادر، وأن الأسُر والشُعب التنظيمية باتت عبئاً أمنياً لا ميزة تنظيمية. ومع ثورة الإعلام الرقمي، ومنصات التواصل، ثم القفزة الهائلة فى أدوات الذكاء الاصطناعي، استعادت الإخوان فكرة حسن البنا القديمة عن «عالمية الدعوة»، ولكن بصيغة جديدة، تتجاوز الجغرافيا، وتكسر الحصار، وتلتف على القيود الأمنية.

لم يعد الشاب البائس، الفقير، الغاضب، هو المادة الخام المثالية للجماعة. هذا النموذج استُهلك، وكُشف، وأصبح سهل الرصد. اليوم، تعمل الإخوان على تجديد نخبها، عبر استقطاب عناصر تجيد اللغات، وتفهم الثقافة الغربية، وتتحرك بسلاسة فى الفضاء الرقمي، وتملك أدوات التأثير الناعم، وقادرة على مخاطبة العالم بلغته، لا بشعاراته القديمة.

كنت شاهداً، فى الخارج، على عناصر إخوانية ترتدى أحدث الموضات، تمارس الرياضة، تظهر بالشورت، وفتيات سافرات غير محجبات، مندمجات شكلياً وموضوعياً فى المجتمعات الغربية، تعيش قيمها اليومية، وتستفيد من حرياتها، لكنها فى العمق تحمل أفكار الجماعة، وتتحرك وفق أجندتها، وتؤدى أدواراً محددة فى دوائر التأثير والضغط والتشبيك. نحن أمام تنظيم لم يعد يراهن على التمكين من أسفل، بل على الاختراق من أعلى، وعلى التأثير الرمزى والإعلامى والقانوني.

هنا تكمن خطورة اللحظة. فالمواجهة لم تعد أمنية فقط، ولا يُجدى معها الاكتفاء بمطاردة الخلايا التقليدية فى القرى والنجوع، أو الاكتفاء بقرارات الحظر التى لم تُترجم، فى كثير من العواصم الأوروبية والأمريكية، إلى إجراءاتٍ حقيقية على الأرض. فالتنظيم بات يعمل كشبكة أفكار، لا كتنظيم هرمي، وكمنصة خطاب، لا كجماعة محظورة فحسب.

نحن أمام تحدٍ أمنى وفكرى مُركب، يتطلب قراءة جديدة، وأدوات مواجهة مختلفة، تقوم على تفكيك الخطاب، وفضح التناقض، ومواجهة «الإخوان الجدد» فى ساحات الإعلام، والبحث، والرأى العام، لا فى الزنازين وحدها. فالتاريخ علمنا أن التنظيمات التى تُهزم أمنياً قد تعود فكرياً إن تُرك لها المجال.
والرهان الحقيقي، اليوم، ليس على إعلان موت الإخوان، بل على منع بعثهم فى صورة أكثر حداثة، وأشد خطورة.