كنوز| الفلاحة التي خرجت من القرية لتصبح مطربة العصر

كوكب الشرق التى لم تنفصل عن قريتها - محمد التابعى
كوكب الشرق التى لم تنفصل عن قريتها - محمد التابعى


ارتبط الكاتب الكبير محمد التابعى بالآنسة أم كلثوم عندما استمع إليها فى منتصف عشرينيات القرن الماضى، تحمس لها وكتب عنها وأنصفها على مطربات عصرها، وجمعت بينهما صداقة لا تُوصف، وقالت زوجته السيدة هدى إنها عثرت بعد رحيله على خطاباتٍ مُتبادلة مع أم كلثوم أعطتها للزميل محمود صلاح الذى نشر جزءاً منها عندما كان رئيساً لتحرير «آخر ساعة»، وبعيداً عما جاء بهذه الخطابات نسترجع ما جاء فى مقال له عنها قال فيه : 

- ذات يوم وبينما كانت الصغيرة أم كلثوم تلعب فى صحن الدار، وتغنى لنفسها كما يغنى الأطفال، وقف أبوها الذى كان يستعد للخروج، يصغى لغنائها وكانت يومئذٍ فى السابعة من عمرها، كانت تترنم بأحد الأناشيد التى يغنيها أخوها خالد، ربت الأب على رأس الطفلة وهو يسألها إن كانت تحفظ شيئاً آخر فاضطربت وأنكرت، فقدم لها أبوها قطعة من الحلوى ووعدها بها إذا غنت، فقبلت أن تغنى لأبيها، سألها : هل تحفظين قصيدة كذا، ونشيد كيت و. . و . . ؟ وتبين أنها تحفظ جميع ما يغنيه شقيقها خالد، وكانت تؤديه بصوت أجمل بكثير من صوته، كان هناك اتفاق على إحياء سهرة فى تلك الليلة بالذات، ففكر والدها : ماذا لو غنت أم كلثوم بدلاً من خالد؟ عرض أبوها عليها الفكرة فرفضت وخافت، فوعدها بطبق مهلبية تأكله وحدها إذا قبلت أن تغنى فى حفلة الليلة، فأحيت الحفلة التى وضعت أقدامها على سلم الشهرة، والفضل فى هذا لطبق المهلبية !

وكثيرًا ما كانت الأسر الغنية بالقرى المجاورة تدعوها للغناء وكانوا ينقدونها روبية واحدة أجراً لها، والروبية عملة هندية من الفضة راجت فى مصر أيام الحرب العالمية الأولى وكانت قيمتها ستة قروش ونصف القرش ! وإذا ما انتهت الحفلة كان يحملها شقيقها على كتفه عندما تستغرق فى النوم وهى مطبقة على الروبية، وعندما تضعها أمها فى الفراش كانت تفتح عينيها وتناولها الروبية، وارتفع أجر أم كلثوم وعلا قدرها وذاع صيتها، ارتفع إلى ريال ثم إلى خمسين قرشاً ثم إلى مائة وخمسين قرشاً مرة واحدة فى الحفلات التى تقام فى مديرية الغربية أو الدقهلية، وركبت أم كلثوم مرة القطار ساعتين، وركبت بعد القطار حماراً أربع ساعات لكى تصل إلى القرية التى تقام فيها الحفلة، وكان الأجر مائة وخمسين قرشاً أيام الحرب العالمية الأولى، ومع الوقت أصبحت تتقاضى آلاف الجنيهات فى الحفلة الواحدة، وعرض عليها أحد متعهدى الحفلات أن تقيم عشر حفلات فى سوريا ولبنان مقابل ثلاثين ألف جنيه فرفضت.

جاءت أم كلثوم للقاهرة وغنت لأول مرة عام 1920 وكانت تسكن مع أسرتها فى دار متواضعة بالقرب من ميدان عابدين، وكانت حفلاتها تقام على مسرح «سانتس» بحديقة الأزبكية، وتميزت بالقصائد والتواشيح الدينية، وعندما التقت بالشيخ أبو العلا محمد أخذت قصائده ومنها: «كم تعبنا مع النسيم سلامًا للحبيب الجميل حيث أقاما - وأمانا أيها القمر المطل - وافديه إن حفظ الهوى أو ضيعا»، وكانت إلى ذلك العهد تغنى ومن حولها أفراد تختها المكون من أفراد الأسرة، وبعدها كانت تغنى الطقاطيق والمنولوجات مع تخت بآلات موسيقية، واختفى التخت القديم، واثنان يجب أن نذكرهما بالشكر والثناء عند الحديث عن غناء أم كلثوم فى الكلمات والألحان وهما: الشاعر أحمد رامى والموسيقى محمد القصبجى الذى حمل العبء الأول فى التلحين لها، ولم يمضِ على أم كلثوم فى القاهرة عامان حتى توطد مقامها كمطربة مصر الأولى، وأقبلت عليها الدنيا، وشركات الإسطوانات، وكانت تتقاضى عن الإسطوانة خمسين جنيهاً، ارتفعت إلى ثلاثمائة جنيه أثناء الحرب العالمية الأولى، وعُرض عليها ألف جنيه فى الإسطوانة الواحدة لكنها رفضت العرض وأصرت على أن يكون الأجر بنسبة مئوية من إيراد البيع، فتم الاتفاق على 27% عن كل أسطوانة تُباع على ألا يقل إيرادها عن مبلغ معين، واشترطت ألا يقل نصيبها من إيراد أسطوانة «نهج البردة» عن أربعة آلاف جنيه.

وقال لى منصور عوض المستشار الفنى لشركة جرامافون: إنه عرض عليها منذ 25 عاماً أن تحصل على خمسة قروش عن كل أسطوانة تُباع بدلاً من الأجر المقطوع المُتفق عليه، وهو ثمانون جنيهاً للإسطوانة، ولكنها لم تكن عرفت بعد ما يجب أن تعرفه فرفضت وقالت : «لا يا خويا.. دى دوشة دماغ هو أنا فاضية أجرى أفتش على دفاتر الشركة»، وفضلت أن تقبض الثمانين جنيهاً عداً ونقداً، وحققت بعدها أغنية «إن كنت أسامح» فى المبيعات ربع مليون إسطوانة، وكان إيراد أم كلثوم منها لو قبلت عرض منصور عوض اثنى عشر ألفاً وخمسمائة جنيه بدلاً من ثمانين جنيهاً، ومع ذلك فأم كلثوم قصة كفاح وعمل وصبر، قصة الفنانة الفقيرة التى خرجت من دار متواضعة فى قرية مغمورة لكى تصبح أشهر مطربات العصر، بل وعصور قادمة، وما أظن الزمن سوف يجود على مصر بأم كلثوم أخرى بعد قرن ولا بعد قرنين ! 

محمد التابعى «آخر ساعة» - فبراير 1975