كل يوم

أمريكا أولاً.. ولو سقط الدولار!

منصور كامل
منصور كامل


فى مفارقة تاريخية لم يشهدها الاقتصاد العالمى منذ عقود، يبدو أن «العملة الخضراء» لم تعد الخط الأحمر فى أجندة البيت الأبيض. فبينما كانت الإدارات الأمريكية المتعاقبة تعتبر قوة الدولار دليلاً على عنفوان الدولة، يتبنى الرئيس دونالد ترامب اليوم فلسفة مغايرة تماماً: «اجعلوا الدولار ضعيفاً.. لتعود أمريكا عظمى».. فمنذ عودته إلى السلطة فى ولايته الثانية لم يتوقف ترامب عن إرسال إشارات طمأنة للأسواق بأن انخفاض الدولار ليس «أزمة»، بل هو «فرصة». ويرى خبراء فى «وول ستريت» أن الرئيس يهدف من وراء ذلك إلى كسر شوكة العجز التجارى المزمن؛ فالدولار الضعيف يعنى سلعاً أمريكية أرخص فى الخارج، ومنافسة شرسة تحرج التنين الصينى فى عقر داره.

يناير الأكثر تراجعاً للعملة الخضراء لم تكن تصريحات ترامب مجرد «هواء»، فقد ترجمتها الأسواق سريعاً فى يناير الماضى، حيث سجل مؤشر الدولار أسوأ سلسلة خسائر له منذ سنوات، محققاً أدنى مستوى له منذ عام 2022. وبالرغم من أن ترامب وصف الدولار مؤخراً بأنه «فى وضع قوى»، إلا أن نبرة الارتياح التى صاحبت تراجعه جعلت المحللين يدركون أن «البيت الأبيض» قد أعطى الضوء الأخضر لبيع العملة.

أما عن ملامح سياسة ترامب الاقتصادية فيمكن تلخيصها فى عدة نقاط أولها سلاح الصادرات وذلك من خلال تحويل الدولار من «مخزن للقيمة» إلى «مُحفز تجارى» لدعم المصانع فى ولايات الصدأ (Rust Belt).

وثانى الأسلحة الاقتصادية فى جعبة ترامب هو الضغط المستمر على «الاحتياطى الفيدرالى» لخفض الفائدة، وهو ما يُضعف جاذبية العملة تلقائياً، وثالثها هى الرسوم الجمركية من خلال استخدام الدولار الضعيف كدرع تحمى المستهلك الأمريكى من الارتفاع الجنونى لأسعار السلع المستوردة بعد فرض الرسوم.
الذهب هو الرابح الأكبر.. وفى الوقت الذى يترنح فيه الدولار، قفزت أسعار الذهب لمستويات تاريخية (تجاوزت حاجز الـ 5000 دولار للأوقية فى بعض التداولات)، حيث يهرب المستثمرون من «تقلبات ترامب» نحو الملاذات الآمنة التقليدية.

وماذا عنا؟.. بالنسبة للاقتصادات الناشئة، ومنها: مصر، فإن ضعف الدولار عالمياً قد يكون «سلاحاً ذا حدين»؛ فهو من ناحية قد يخفف الضغط على العملات المحلية ويقلل تكلفة الدين الخارجى المُقوم بالدولار، لكنه من ناحية أخرى قد يشعل أسعار السلع الأساسية (النفط والغذاء) التى تُسعّر عالمياً بالدولار الضعيف.. تبقى أن الرسالة القادمة من واشنطن، ومن ترامب، واضحة وهى أن مصلحة المُصنِع الأمريكى تسبق هيبة الورقة الخضراء، والعالم الآن عليه أن يستعد لعصر «الدولار الرخيص» الذى قد يعيد تشكيل خارطة الثروة العالمية.