يوميات الأخبار

بال رايق وبال مشغول..!

د. جمال مصطفى سعيد
د. جمال مصطفى سعيد


«ربنا يريح بالك»، دعوة بسيطة تؤكد أن راحة البال ليست رفاهية، بل نعمة حقيقية إذا حضرت استقام معها كل شيء.

«خُد بالك من أختك وامسك إيدها كويس وإنتوا بتعدّوا الشارع»، جملة قالتها أمى وأنا طفل أمسك بيد أختى الصغيرة ونحن نعبر الشارع لقضاء مصلحة ما، ووقتها لم أكن أعرف أن هذه اليد الصغيرة التى أوصتنى بها أمى ستصبح بعد سنوات يد عميدة لإحدى أكبر أكاديميات الهندسة والتكنولوجيا فى مصر، كنت أفهم مقصد الجملة لكننى لم أفهم معناها أبدًا، ولم أكن أعرف أننى أتلقى درسًا مبكرًا فى شيء اسمه «البال»، ذلك الكائن الخفى الذى يرافقنا طوال العمر، لا نراه لكنه لا يغيب عنا.

بالك مشغول ليه؟

وبمرور الوقت بدأت أسمع الكلمة نفسها «البال» تتكرر كثيرًا على مسامعى لكن بصيغ متعددة، فأجد من ينصحنى بأن «أخلى بالى من نفسى»، وآخر يسألنى: «مالك.. بالك مشغول ليه؟»، وآخر يقول «باين عليك بالك رايق النهارده»، أو «طوّل بالك شوية» ومن محذّر: «خد بالك… الموضوع ده غلط»، ومن يلفت نظرى الى أن «المصريين واخدين بالهم من الحكاية دى كويس»، ومن يصف حال غيره قائلًا إن «فلان باله مرتاح»، حتى اكتشفت أن كلمة «البال» لا تغيب عن لغتنا اليومية، وإن كانت لا تحمل مدلولًا محددًا. وربما كانت أجمل صيغة سمعتها لهذه الكلمة، وأكثرها صدقًا وتأثيرًا، تلك التى يرددها المرضى لى بعد شفائهم: «ربنا يريح بالك»، دعوة بسيطة تؤكد أن راحة البال ليست رفاهية، بل نعمة حقيقية إذا حضرت استقام معها كل شيء. 

وحيرتنى كلمة «البال»، نرددها عشرات المرات دون أن نتوقف أمامها أو نفكر فى معناها الحقيقى، كلمة قصيرة لكنها مصرية بامتياز، وتحمل من الدلالات ما يفوق طولها بكثير، نستخدمها يوميًا دون شرح أو تفسير، ويكفى أن يقول أحدنا «بالى مشغول» حتى يفهم السامع أن يتركه فى حاله لأن هناك قلقًا ما أو عبئًا لا يُرى بالعين لكنه حاضر بكل ثقله. ولأنى درست علم التشريح فى كلية الطب، فكنت أقضى فى المشرحة أيامًا وليالى بحثًا عن هذا الـ «بال» فلم أعثر عليه، واكتشفت أن «البال» هذا لا علاقة له بالمشرحة بل يعيش فى المسافة الدقيقة بين العقل والنفس والجسد، تلك المسافة التى لا نعرف أيضًا عنها شيئًا.

حالة إنسانية 

والبال كلمة عربية فصيحة لا نظير لها فى اللغات الأخرى، لأنها لا تصف وظيفة محددة، بقدر ما ترسم صورة لحالة إنسانية مكتملة. ورغم أن أقرب كلمة فى الإنجليزية تشير إلى البال هى كلمة mind والتى تشير إلى العقل أو التفكير، إلا أنها ليست متطابقة مع الكلمة العربية، لأنها عندنا تشير إلى حالة مركبة تتداخل فيها الأفكار والمشاعر مع الجسد كله، فحين يستقيم البال يستقيم فينا كل شيء، وحين يضطرب يختل معها ميزان حياتنا... ما هذه العظمة الكامنة فى لغتنا الجميلة...!  

إصلاح البال 

ولم يكن غريبًا أن يمنح قاموس ابن عربى لكلمة «البال» هذا الاتساع فى المعنى، فيعرّفها بأنها الحال والشأن معًا، فيقول: أمرٌ ذو بال، أى أمر له قدره وقيمته، ويبلغ هذا المعنى ذروته فى التعبير القرآنى البليغ «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ» حيث لا يرد «إصلاح البال» هنا بوصفه حالة نفسية عابرة، بل كغاية كبرى تتجاوز الظاهر إلى العمق. ولم يكن هذا المعنى حكرًا على النص القرآنى وحده، فالكتاب المقدس يشير فى مواضع عديدة إلى الراحة والطمأنينة، بما فيها راحة البال، وكثيرًا ما توقف البابا شنودة الثالث، فى عظات الأربعاء أمام فكرة راحة البال عند البشر، معتبرًا إياها علامة على التصالح مع النفس ومع الله ومع العالم.

انشغال البال

وأكثر من ذلك فقد تغنى المصريون، هذا الشعب العبقرى بالبال... أى والله.! 

فقديمًا أطربنا المطرب الشعبى محمد طه بأن: «مافيش أحسن من راحة البال» ومن بعده جاءت أم كلثوم لتغنى «لا تشغل البال بماضى الزمان» وأيضًا «إنت اللى شغلت البال» ثم بعد ذلك «على بالى على بالى» لفريد الأطرش، و«ما كانش ع البال تشغل بالى» لمحمد عبد الوهاب وغيرهم.

أما فى الطب فاللافت هنا أن الإنسان المصرى، بفطرته أدرك مبكرًا ما لم يبدأ الطب الحديث فى توثيقه إلا فى العقود الأخيرة: أن ما يشغل البال يترك بصمته على الجسد كله، وما نسميه فى حياتنا اليومية «انشغال البال» ما هو إلا التوتر النفسى كما يعرفه الأطباء، وكثيرًا ما نرى فى العيادات مرضى يشكون بصدق، ولا نكذبهم، لكن الفحوص الطبية لا تفسر حجم معاناتهم. هنا يبدأ الطب الحديث فى الاعتراف بأن الجسد لا يعمل بمعزل عن النفس، وأن العقل ليس مجرد أداة للتفكير، بل مركز قيادة يؤثر فى كل أجهزة الجسم، فالتوتر أو انشغال البال لفترات طويلة، قادر على إضعاف هذه الأجهزة، فهو يزيد احتمالات الإصابة بأمراض القلب، ويؤثر على ضبط السكر ويضعف المناعة، ويؤخر التئام الجروح، ويزيد من حدة الألم أحيانًا.

وأثبتت الأبحاث أنه حين ينشغل البال، يبدأ المخ فى إفراز هرمونات التوتر مثل الكورتيزول والأدرينالين، التى صُممت فى الأصل لمساعدة الإنسان على النجاة فى المواقف الطارئة، لكنها حين تُفرز بصورة مستمرة تتحول من وسيلة حماية إلى عبء ثقيل، وتظهر أعراض لا يجد لها المعالج تفسيرًا واضحًا فى التحاليل أو الأشعة.

البال والمريض

 حتى فى الأمراض الخطيرة كالسرطان، لا يمكن تجاهل أثر البال، لأن الحالة النفسية للمريض هنا تلعب دورًا مهمًا فى قدرته على تحمل العلاج والاستمرار فيه، فالمريض القَلِق، الخائف، يعانى نفسيًا أضعاف ما يعانيه من المرض نفسه، بينما المريض الذى يشعر بالاحتواء والفهم والطمأنينة، تكون رحلته أقل قسوة، حتى وإن لم تتغير شدة العلاج فى كليهما. وكأطباء، نلاحظ أن المريض مرتاح البال يلتزم بالعلاج أكثر، ويتعاون أفضل، ويتحمل الأعراض الجانبية بقدرة أكبر، رغم أن راحة البال لا تُصرف فى روشتة ولا تأتى فى علبة دواء، لكنه الشعور بالأمان والفهم العلمى الصحيح لمرضه، خصوصًا عندما يشعر أنه ليس وحده فى معركته. ولهذا لم يعد دور الطبيب الحديث مقصورًا على وصف العلاج، بل أصبح مطالبًا بأن يتواجد ويشرح، ويطمئن، ويخفف من غموض المرض، لأن الغموض وحده كفيل بأن يشغل البال ويُرهق الجسد.

ربما لم يدرس أجدادنا علم الأعصاب، ولم يعرفوا أسماء الهرمونات لكنهم اختصروا كل ذلك فى كلمة واحدة: البال. وحين يقول المصرى لأخيه «خلّيك مرتاح البال»، فهو ـ دون أن يدرى ـ يقدم نصيحة طبية كاملة ويجب على الطبيب أن يتذكر أن راحة البال، ليست رفاهية، بل ضرورة، وربما تكون أول خطوة حقيقية فى طريق الشفاء.

با عزيزى خللى بالك من بالك...  لأن راحة البال نعمة عظيمة.