القصير تستعيد ذاكرتها الروحية.. «المحامل» تعود إلى الشوارع في ليلة النصف من شعبان

القصير تستعيد ذاكرتها الروحية
القصير تستعيد ذاكرتها الروحية


 شهدت مدينة القصير، جنوب البحر الأحمر، واحدة من أكثر لياليها خصوصية، مع انطلاق موكب المحامل تزامنا مع إحياء ليلة النصف من شعبان، هذا الحدث الذي ينتظره الأهالي عاما بعد عام، لم يكن مجرد احتفال عابر، بل بدا وكأنه إعادة تشغيل لذاكرة المدينة القديمة، حيث تحولت الشوارع إلى مسار مفتوح لطقس شعبيـ ديني نادر، لا يزال صامدًا أمام الزمن ومتغيراته.

اقرأ أيضا| وكيل صحة البحر الأحمر يتفقد سلسلة التبريد لضمان جودة وسلامة الأمصال واللقاحات

في قلب المدينة، خرجت الجمال تحمل فوق سنامها «المحامل»، وهي هياكل رمزية تعرف محليًا باسم «الهوادج»، صممت خصيصًا لترافق أسماء أولياء صالحين تحتضن القصير أضرحتهم منذ قرون.

ومع تحرك القافلة، اصطف المواطنون خلفها في موكب طويل، شارك فيه الأطفال والشباب وكبار السن، في مشهد بدا أقرب إلى «كرنفال روحي» تتداخل فيه البهجة الشعبية مع الوقار الديني.

وأكد الدكتور ياسر خليل، أحد أبناء مدينة القصير، أن المحامل ليست مجرد تقليد احتفالي، بل جزء من البنية الثقافية والروحية للمدينة، موضحًا أن هذا الطقس متوارث منذ أجيال، ويتم إحياؤه في مناسبتين رئيسيتين هما عيد الفطر وليلة النصف من شعبان.

وأشار إلى أن القصير تضم أكثر من عشرين ضريحًا لأولياء الله الصالحين، ما يمنح الاحتفال طابعًا خاصًا يجعل المدينة في تلك الليلة أشبه بخريطة روحانية تتحرك على الأرض.

ومع تقدم الموكب في أزقة القصير القديمة، صاحبته نغمات المزمار البلدي والرقصات التراثية التي أضفت حالة من الفرح الجماعي، بينما انتشرت قوات الأمن لتأمين حركة الموكب وتنظيم التجمعات.

ولم يكن الاحتفال مجرد مشهد فولكلوري، بل لحظة اجتماعية جامعة أعادت إلى المدينة شعور «اللمة» والانتماء، في زمن تتراجع فيه الكثير من العادات تحت ضغط الإيقاع الحديث.


من جانبه، أوضح مصطفى سباق، المهتم بالتراث المحلي، أن القصير تعد واحدة من أقدم مدن البحر الأحمر، وعبرت فوق أرضها حضارات متعددة منذ العصور الفرعونية والرومانية وحتى العصر الإسلامي، ما جعلها تحمل مزيجًا ثقافيًا فريدًا لا يزال يظهر في طقوسها الشعبية حتى اليوم.

وأكد أن مهرجان المحامل يمثل أحد أبرز الشواهد الحية على قدرة المدينة على حماية موروثها من التآكل أو النسيان.

وأشار أحمد عبده هلال، أحد أبناء المدينة، إلى أن المحامل ليست استعراضًا احتفاليًا فحسب، بل ممارسة روحية واجتماعية ترتبط بوجدان أهل القصير، مؤكدا أن استمرارها حتى الآن يعكس تمسك المجتمع المحلي بجذوره وخصوصيته الثقافية.

وتختتم القصير كل عام ليلة النصف من شعبان على إيقاع هذا الطقس الفريد، لتظل واحدة من المدن القليلة التي ما زالت تُحيي تراثها لا كذكرى، بل كحياة تتحرك في الشوارع.