في زمن باتت فيه وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من تفاصيل الحياة اليومية، لم تعد هذه المنصات مقتصرة على الترفيه أو تبادل الأخبار، بل تحولت لدى كثيرين إلى وسيلة حقيقية لصناعة الخير وبناء جسور التكافل الإنساني.
من بين هذه التجارب الملهمة، برزت مبادرات «واتس آب الخير» وجروبات الإطعام الخيري، التي أعادت إحياء مفهوم «الشعبية» والتكافل المجتمعي، خاصة في شهر رمضان، حيث يتضاعف الإحساس بالمسؤولية تجاه الفئات الأكثر احتياجًا.
اقرأ أيضًا | بعد استجابة «صناع الخير».. أكبر معمرة بالفيوم تطعم الحمام بجوار المسجد النبوي

هذه الجروبات لم تكن كيانات رسمية أو مؤسسات ضخمة، بل بدأت كمحاولات فردية صادقة، تحولت مع الوقت إلى دوائر واسعة من العطاء، تجمع بين أشخاص لا يعرفون بعضهم شخصيًا، لكنهم يجتمعون على هدف واحد: إطعام محتاج، وجبر خاطر أسرة، وإحياء قيمة الرحمة في المجتمع.
- واتس آب الخير.. من فكرة بسيطة إلى منظومة عطاء
مع انتشار تطبيق «واتس آب»، بدأت تظهر مجموعات صغيرة تجمع الأصدقاء والأقارب بهدف جمع تبرعات محدودة، لشراء وجبات أو شنط غذائية خلال شهر رمضان.

ومع مرور الوقت، تطورت هذه الفكرة، وأصبحت الجروبات أكثر تنظيمًا، تتنوع أهدافها بين الإطعام اليومي، وشنط رمضان، وكفالات الأسر المتعففة، وإطعام المرضى، وحتى تقديم الدواء والملابس.
الميزة الأهم في هذه الجروبات أنها تعتمد على الثقة والشفافية، حيث يتم الإعلان عن قيمة التبرعات، وتوثيق مراحل الشراء والإعداد والتوزيع بالصور والفيديوهات، ما يعزز شعور المشاركين بأنهم جزء حقيقي من العمل الخيري، وليسوا مجرد متبرعين عن بُعد.
اقرأ أيضًا | أطعمة يومية خفية قد «ترفع ضغط الدم».. ما الذي يجب الحذر منه؟

جروبات متنوعة.. و5 أسماء تحمل رسالة
حرص القائمون على هذه المبادرات على تقسيم العمل من خلال عدة جروبات، لكل منها اسم مميز يعكس روحها ورسالتها، ومن بينها:
جروب «سفرة الرحمة»: يختص بإعداد الوجبات اليومية الساخنة، خاصة في رمضان.
جروب «رزق اليوم»: يركز على الإطعام اليومي للأسر المتعففة والعمال البسطاء.
جروب «شنطة الخير»: مخصص لتجهيز شنط رمضان والسلع الغذائية الأساسية طوال العام.
جروب «جبر الخواطر»: يهتم بالحالات الإنسانية الخاصة، مثل المرضى وكبار السن والأيتام.
جروب «لقمة هنية»: يركز على إعداد وجبات ذات قيمة غذائية عالية، يصعب على الأسر شراء مكوناتها.

كل خمسة جروبات تعمل كمنظومة واحدة، لكن لكل منها آلية مختلفة في جمع التبرعات وتنفيذ المهام، بما يضمن وصول الخير لأكبر عدد ممكن من المستفيدين.
- تجربة «توته عبده» قصة بدأت من القلب
في هذا السياق، تحدثت فاعلة الخير هبة عبدالفتاح، الشهيرة باسم «توته عبده»، عن تجربتها التي تُعد نموذجًا حيًا لكيف يمكن لفكرة فردية صادقة أن تتحول إلى مشروع إنساني واسع التأثير.

قالت هبة إن فكرة الإطعام بدأت معها منذ سنوات، حين كانت تقوم بها بمفردها بعد وفاة والدها، متأثرة بحبه الشديد لعمل الخير، كانت تجمع مبلغًا صغيرًا على مدار أيام وشهور، ثم تبدأ في تنفيذ وجبات وتوزيعها على الأسر المتعففة والمحيطين بها في منطقتها.
- من مجهود فردي إلى مشاركة جماعية
وأوضحت هبة أن الدائرة بدأت تتسع تدريجيًا، حيث شاركها في البداية بعض المقربين منها في إعداد وجبات إضافية، ثم بدأ أشخاص لا تعرفهم شخصيًا في المساهمة، سواء بالمال أو بالمساعدة في الطهي والتجهيز
ومع الانتشار عبر مواقع التواصل الاجتماعي ومن خلال هاشتاج #اطعام_الرزق_والخير_طبق_توتا، خاصة فيسبوك وإنستجرام، بدأت مشاركات من أشخاص داخل مصر وخارجها، بل ومن دول عربية أخرى، وهو ما زاد من حجم الإطعام وعدد الأسر المستفيدة.

- الثقة.. أساس الاستمرار
وأكدت «توته عبده» أن الثقة كانت العامل الأهم في نجاح التجربة واستمرارها، موضحة أن المتبرعين كانوا يلمسون الجدية والالتزام، وهو ما دفعهم إلى الاستمرار في الدعم.
وأضافت أنها تركز دائمًا على السلع الأساسية «النية»، وتحرص على إرسال الوجبات والشنط الغذائية إلى منازل الأسر المتعففة، احترامًا لخصوصيتهم وحفاظًا على كرامتهم.
رمضان.. موسم الخير الأكبر
وخلال شهر رمضان، يتضاعف العمل بشكل ملحوظ، حيث تحرص هبة على أن تحتوي شنطة رمضان على كميات أكبر من السلع الغذائية، تكفي الأسرة طوال الشهر الكريم، إلى جانب إرسال سلع إضافية ووجبات يومية.
وتوضح أن الإطعام لا يقتصر على رمضان فقط، بل هو عمل مستمر على مدار العام، سواء في صورة شنط غذائية شهرية أو وجبات جاهزة.
- تنوع في مجالات الإطعام
لم يقتصر نشاط «واتس آب الخير» على الأسر المتعففة فقط، بل امتد ليشمل دور الأيتام، ودور المسنين، والمستشفيات، حيث يتم إرسال وجبات مستوية جاهزة، بالإضافة إلى الحلويات.
كما تحرص هبة على إحياء المناسبات الدينية، ففي عيد الفطر يتم إرسال الكحك والبسكويت، وفي عيد الأضحى يتم توزيع اللحوم، وفي المولد النبوي الشريف تُعد حلوى المولد وتُرسل للأسر المحتاجة، مع التركيز على أطعمة ذات قيمة عالية يصعب على هذه الأسر شراؤها، في محيط منطقتها بدار السلام.
- الإطعام بسعر التكلفة.. باب آخر للخير
وأشارت هبة إلى أن بعض الأشخاص يتواصلون معها لإعداد وجبات إطعام خاصة، مثل كفارة اليمين أو إطعام المرضى، حيث تقوم بإعداد الوجبات بسعر التكلفة فقط، ويقوم المتبرعون بتوزيعها بأنفسهم أو يطلبون منها إيصالها إلى أماكن محددة.
- توسع الدائرة.. من الطعام إلى العلاج
ومع مرور السنوات، لم يعد الإطعام هو النشاط الوحيد، بل توسعت المبادرة لتشمل توفير الأدوية والعلاجات، والملابس، من خلال مساعدات شهرية تصلها من أهل الخير.
كما بدأت بإرسال الإطعام إلى المدارس الحكومية، والبحث عن الأطفال الأيتام والأكثر احتياجًا، وتقديم الوجبات والحلويات وشنط المستلزمات والملابس المدرسية.
المستشفيات.. وجبة أمل
وتروي هبة تجربتها مع مستشفى أبو الريش ومستشفى السرطان، حيث تقوم بإعداد وجبات جاهزة للمرضى وذويهم، خاصة القادمين من صعيد مصر، الذين يضطرون أحيانًا للمبيت خارج المستشفيات لعدم قدرتهم على تحمل تكاليف الإقامة. وتؤكد أنها تسعى دائمًا لإعداد وجبات طازجة وشهية، تليق بإنسان يحتاج إلى الدعم النفسي بقدر حاجته للطعام.
- آلية جمع التبرعات
تعتمد جروبات «واتس آب الخير» على نظام بسيط ومرن في جمع التبرعات، حيث يتم الإعلان عن الهدف، سواء كان عدد وجبات أو شنط غذائية، مع تحديد التكلفة بوضوح.
ويُترك لكل شخص حرية المساهمة بما يستطيع، سواء بمبلغ صغير أو كبير، أو بالمشاركة في الطهي والتجهيز، ما يعزز روح المشاركة الجماعية.
- الشعبية.. حين يعود المجتمع إلى جذوره
تعكس هذه المبادرات عودة حقيقية لمفهوم «الشعبية» والتكافل الذي كان سائدًا في الأحياء المصرية القديمة، حيث يعرف الجيران بعضهم، ويتعاونون في الشدة قبل الرخاء.
فـ«واتس آب الخير» لم يكن مجرد جروبات إلكترونية، بل تحول إلى مجتمع مصغر، يتشارك أفراده الهم والفرح، ويشعرون بأنهم عائلة واحدة.
- أثر مستدام يتجاوز رمضان
ورغم أن شهر رمضان يمثل ذروة النشاط، فإن الأثر الحقيقي لهذه الجروبات يظهر في استمراريتها طوال العام، وفي قدرتها على الوصول إلى فئات لا تصل إليها المساعدات التقليدية.
وتؤكد تجربة «توته عبده» أن العمل الخيري لا يحتاج دائمًا إلى مؤسسات كبرى، بل إلى نية صادقة، وتنظيم بسيط، وثقة متبادلة.
«واتس آب الخير» ليس مجرد عنوان لمبادرة، بل هو نموذج اجتماعي يعكس قدرة الأفراد على إحداث تغيير حقيقي، حين تتلاقى القلوب على الخير، وبين وجبة تُعد بحب، وشنطة رمضان تصل في صمت، تتجدد معاني الرحمة والتكافل، ويثبت المجتمع مرة أخرى أن الخير لا يزال حاضرًا، ما دام هناك من يؤمن به ويعمل لأجله.

مشروبات الطاقة.. أضرار ومضاعفات خطيرة
«اللبن المتجمد أم القاطع».. أيهما أفضل للاستخدام
جددي في مطبخك.. طريقة تحضير فيليه اللحم بحشو الخضار







