وليد خيرى
يطل علينا المخرج السينمائى الكبير خيرى بشارة فى معرض القاهرة الدولى للكتاب 2026، من خلال إصدار متميز عن دار الشروق يحمل عنوان «سينما شرق.. سينما غرب». وهذا الكتاب لا يمثل مجرد إضافة للمكتبة السينمائية العربية، بل هو استمرار لرحلة إبداعية مذهلة خاضها بشارة خلال الأعوام الثلاثة الفائتة، حيث فاجأ الوسط الثقافى بتجليات أدبية رفيعة، تمثلت فى روايته المهمة «الكبرياء الصيني» وديوانه المتأمل المتمهل «القدر المتلازم» حيث ينبنى العملان على معمار التسامح، وكلاهما صادر عن دار الشروق أيضا بهذا المسار، يؤكد خيرى بشارة أنه يتخطى كونه مخرجا سينمائيا كبيرا وأحد مؤسسى المدرسة الواقعية الجديدة، ليصبح مبدعا شاملا يطوع الكلمة بذات البراعة التى يطوع بها الكاميرا، متنقلا بين الكتابة الإبداعية والنقدية بروح الفنان الذى لا ينضب شغفه.
تكمن الأهمية القصوى لكتاب «سينما شرق.. سينما غرب» فى كونه كتابا منهجيا وتطبيقيا بامتياز، يبتعد عن الدردشة السينمائية أو النقد الانطباعى السطحى الذى يكتفى بعبارات مثل «الفيلم رائع» أو «الموسيقى مناسبة». إننا أمام ورشة عمل يقودها مخرج وكاتب مهم، يفكك الأفلام من داخلها، ليعلمنا معنى كلمة الإخراج ليس كمنظر، بل كصانع يدرك أسرار المهنة.
تستند منهجية بشارة فى الكتاب - كما يشير الناقد محمود عبد الشكور فى تقديمه له - إلى أربعة عناصر محورية: العرض (تقديم الموضوع)، التفكيك (تحليل العناصر فى اتساقها)، المقارنة، وأخيرا الحكم القائم على تقييم مدى قدرة الشكل على التعبير عن المضمون. هذه الجدية الكاملة فى التناول تعكس وعى جيله -جيل معهد السينما الذهبي- الذى لم يتعامل مع السينما بخفة قط.
سينما الحرب الباردة: صراع المعسكرين
اختبر خيرى بشارة فى هذا الكتاب أفلاما ولدت فى رحم الحرب الباردة، ذلك الصراع الجيوسياسى والفكرى بين المعسكر الغربى الرأسمالى والمعسكر الشرقى الشيوعى (1945-1991). ومن خلال عينه الفاحصة، يحلل كيف انعكس هذا الصراع على لغة السينما وبنائها الدرامى.
فى فيلم «غزو» (Conquest 1937)، يحلل بشارة كيف سقط الفيلم فى فخ التيمة المزدوجة بين قصة الحب والوقائع التاريخية، مما أدى لتشوية التاريخ. وهنا تبرز دقة الناقد-المخرج، فهو لا يكتفى بوصف المشاهد، بل ينتقد اللغة السينمائية للمخرج كلارنس براون التى لم تتخلص حينها من حصر الكاميرا فى دور آلة تسجيل، مفتقرة لاستخدام العناصر السينمائية فى خلق علاقات ديناميكية.
أما فى المعسكر الشرقى، فيتوقف خيرى بشارة عند فيلم «أنشودة جندى» (Ballad of a Soldier 1959) للمخرج جريجورى شوخراى، ليبرز كيف تغيرت النغمة فى السينما السوفيتية بعد موت ستالين، حيث حل الإنسان بكل تعقيده النفسى محل الإنتاج. الكاتب لا يحلل حدوتة الفيلم، بل يحلل المعادل المرئى للمشاعر المكبوتة، مثل مشهد دقات معاول العمال الثقيلة التى كانت صوت الصمت الروسى المهزوم.
وفى قراءة مدهشة لفيلم «الأم جون من الملائكة» (1961) للمخرج البولندى يجى كافاليروفتش، يتجاوز خيرى بشارة الحكايات التقليدية عن الأرواح الشريرة التى تتقمص الراهبات، ليغوص فى مأساة الكائن البشرى وطبيعته المعقدة فى ثورتها ضد الاستعباد الروحى. يحلل بشارة ببراعة فلسفة الكادر؛ حيث يبرز كيف وظف المخرج توزيع الإضاءة الحاد، واللقطات الطويلة الرصينة لخلق جو عام كئيب يعكس ظلام المعرفة. إن بشارة هنا لا يكتفى بالتحليل الفلسفى، بل يعلمنا حرفة الإخراج عبر شرح كيف يتحول الدير من مجرد مكان إلى رمز للعالم بأسره، وكيف تصبح حركة الكاميرا المقتصدة وسيلة لنقل الشحنات الانفعالية الداخلية العميقة.
السينما الإيرانية: لماذا نجحت وكيف واجهت التزمت؟
يفرد بشارة مساحة واسعة وعميقة لتحليل المعجزة السينمائية الإيرانية، متسائلا عن سر نجاحها العالمى رغم القيود. يرى بشارة أن هذه السينما نبعت من رافدين أساسيين: تراث الواقعية الإيطالية، والسينما الشاعرية الروسية عند دوفجنكو وتاركوفسكى، وانصهرت فى خصوصية الحضارة الفارسية.
التحليل هنا يذهب للعمق؛ فالنجاح الإيرانى لم يأتِ بالصدفة، بل لأنها سينما هاجمت التزمت الدينى وما يعوق تقدم الإنسان من تقاليد عتيقة، دون الحاجة للجوء للجنس أو العنف. يستشهد بشارة بفيلم «التفاحة» لسميرا مخملباف، ليحلل كيف استخدمت المخرجة السرد التسجيلى لكشف مأساة حبس الفتيات خلف جدران الجهل والتزمت. إنها سينما تفتح صدرها للهواء النقى، وتجعل من الضمير قائدا للفهم والحب.
تحليل «حافة المدينة»: سيكولوجية النقد التطبيقى
فى نقد تطبيقى وعلمى لفيلم «حافة المدينة» (Edge of the City 1957)، يكشف الكاتب خيرى بشارة عن براعته فى تجاوز السطح. فهو يتهم الفيلم بتقديم صورة مزيفة وساذجة للرجل الأسود، ويستخدم منطق التحليل الفرويدى لكشف كيف ألقى الفيلم تبعة اضطهاد الزنوج على شعورهم بالذنب والعدوان الغريزى، بدلا من التقديم الصادق لمشكلات العمال الحقيقية. هذا هو النقد الذى ينشده خيرى بشارة؛ النقد الذى يفكك الأيديولوجية الملتوية خلف الكادر السينمائي.
عند انتقاله لقراءة فيلم «صانعة المعجزات» (1962) للمخرج آرثر بن، يضع خيرى بشارة يده على جوهر الحرفة فى توجيه الممثل يرى بشارة أن الموضوع الحقيقى للفيلم ليس الجهل أو التعليم، بل هو مبدأ الحياة الذى يشق سبيله عبر كل العوائق. يتوقف بشارة بدقة تقنية عند اعتماد المخرج على جسد الممثل لبناء الشخصيات من خلال الحركات والإيماءات، محللا كيف يتحول العراك الجسدى بين المعلمة وتلميذتها هيلين كيلر إلى تعبير قوى مباشر عن الإحساس المادى.
إن تحليل بشارة لمشهد المفاتيح كمنحة ثقة، أو مشهد إدراك الماء، يكشف عن عين ناقد يدرك أن السينما هى فن تجسيد غير المرئى عبر المرئى والملموس.
المنهجية كدليل عمل
كتاب خيرى بشارة ليس مجرد إعادة طرح المقالات التى نشرت فى نشرات نادى السينما، بل هو كتاب محدث ومنقح أضيفت إليه تعقيبات وبيانات معاصرة لتناسب قارئ اليوم هو مهتم بكل من يريد فهم معنى الإخراج؛ فبشارة لا يتحدث عن جماليات مجردة، بل عن توزيع لحظات الصمت، وزوايا الكاميرا، والعلاقة العضوية بين المكان والحدث.
إن خيرى بشارة فى «سينما شرق.. سينما غرب» يقدم شهادة حية على أن المخرج الكبير هو بالضرورة ناقد مدهش يوجه بوصلة إبداعه بوعى منهجى هذا الكتاب هو دعوة للقارئ ليرى السينما بعين بصيرة؛ العين التى لا تكتفى بالمشاهدة، بل تخترق الشاشة لتصل إلى جوهر الصنعة.
بهذا الإصدار الجديد عن دار الشروق، يثبت خيرى بشارة مرة أخرى أنه متنوع الثراء فى فضاء الإبداع العربى، مخرجا وروائيا وشاعرا وناقدا، يمنحنا دائما لحظات تنوير نحتاجها بشدة فى واقعنا الثقافى المعاصر.. إنه كتاب معلم ومؤسس لمن تحتل السينما مساحة من روحه.
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







