حكايات| «بردية تورينو» تكشف أسرار الذهب والحجر في مصر القديمة

بردية تورينو
بردية تورينو


تعد بردية تورينو إحدى أقدم الخرائط الجيولوجية المعروفة في التاريخ، إذ تعود إلى عصر الملك رمسيس الرابع (1151-1145 ق.م.)، وتقدم رؤية فريدة لطبوغرافيا وادي الحمامات في الصحراء الشرقية الوسطى لمصر، لم تكن هذه الخريطة مجرد رسم على ورق البردي، بل أداة عملية لتنظيم بعثات استخراج الموارد الطبيعية، بما في ذلك حجر البيخن والذهب، وهو ما يعكس براعة المصريين القدماء في الإدارة والتخطيط الاستراتيجي.

تم رسم بردية تورينو لتسجيل أو توجيه إحدى بعثات الملك رمسيس الرابع لاستخراج حجر البيخن من وادي الحمامات، ويُعد هذا الحجر نوعًا من الحجر الرملي الأخضر-الرمادي المستخدم على نطاق واسع في البناء والنحت، اليوم، تُعرض البردية في المتحف المصري في تورينو، وتُعتبر شاهدًا فريدًا على المعرفة الجيولوجية والتنظيمية للمصريين القدماء.

وتوضح الخريطة طبوغرافيا وجيولوجيا وادي الحمامات بدقة مذهلة،  الجبال الوردية على الجانب الأيسر: تشير إلى وجود الجرانيت واحتياطيات الذهب، والجبال البنية الداكنة على الجانب الأيمن، وتحتوي على صخور رسوبية، والأودية وتمثل الطرق التي تتيح الوصول إلى المناجم، وقد وُسّمت بشكل واضح على البردية، المعالم المهمة على الخريطة المبنى الأبيض الكبير أعلى يسار الخريطة: يمثل معبد الإله آمون، والشكل الأبيض الأصغر: يحدد موقع مسلة الملك ستي الأول، وفوقه أربعة بيوت صغيرة للقرية، والمسار المرقّط بالأبيض والبني في منتصف البردية: يمثل نهرًا جافًا يحمل رواسب طميية.

,تحيط بالرسوم 28 تعليقًا مكتوبًا بالهيراطيقية، توضح أسماء الطرق والمباني، ومواقع احتياطيات الذهب، ووصفًا لعمليات استخراج حجر البيخن، وتعكس هذه النصوص اهتمام المصريين القدماء بالتوثيق الدقيق للعملية التعدينية وإدارة الموارد الطبيعية بشكل منظم.

 

وتبرز بردية تورينو كدليل على قدرة المصريين القدماء على التخطيط الاستراتيجي للموارد الطبيعية، التنظيم الإداري للمشاريع الكبرى، وتوظيف المعرفة الجيولوجية والتقنية في خدمة الاقتصاد والدين والسياسة.

 

تقدم هذه البردية نافذة نادرة على مصر القديمة، ليس فقط كحضارة تبني المعابد والقصور، بل كأمة تتمتع بفهم دقيق للبيئة والموارد الطبيعية، وتوظف الخرائط كأداة علمية وإدارية، إنها أكثر من مجرد خريطة؛ إنها شهادة على براعة القدماء في توثيق عالمهم وتحويل المعرفة إلى عمل ملموس يخدم الدولة والمجتمع.

وكانت الخريطة تستخدم لتوجيه الحملات الملكية إلى المناجم، مما يثبت وجود تخطيط اقتصادي ومعرفي منظم في مصر القديمة.

وتشير الخريطة إلى أن المصريين القدماء كانوا أول من قدم للعالم مفهوم الخرائط الطبقية والمعادن، وتوجد الآن في متحف تورينو – مدينة تورين – إيطاليا، حيث تحتفظ بها إيطاليا منذ القرن التاسع عشر، وتُعرض ضمن قسم الآثار المصرية بالمتحف، وتُعد واحدة من أثمن الكنوز الورقية في العالم.