أوراق شخصية

طفل «دليفرى»!

د. آمال عثمان
د. آمال عثمان


فى زمنٍ صار فيه كل شىء يُطلب بضغطة زر، بدا طبيعيًا أن يصل الطعام، والدواء، وحتى الهدايا، إلى باب البيت عبر «الدليفرى». لكن الصادم حقًا أن يتحوّل طفل إلى «أوردر»، يُسلَّم عبر تطبيق توصيل من الحضانة إلى المنزل، ويُعلَّق خلف دراجة نارية داخل صندوق مُخصّص للطعام. هنا لا نكون أمام واقعة عابرة، بل مشهد سريالى خطير لا ينتمى إلا لعصر فقد بوصلته الأخلاقية تحت ضغط السرعة والانشغال؛ بل جريمة مُفزعة مكتملة الأركان.

قصة الطفل الذى عاد من الحضانة «ديلفرى» ليست واقعة طريفة تصلح للتداول على السوشيال ميديا، ولا بطولة إنسانية خالصة كما حاول البعض تسويقها، ولا يجوز اعتبارها نموذجًا لما اعتدنا تسميته بـ «شهامة المصريين»، ولا حتى تبريرها بسوء تقدير عابر فى «ظرف طارئ». إنها مرآة قاسية لخلل مركّب فى منظومة القيم والمسئولية والرقابة؛ لحظة انهيار أخلاقى صامت، تُدار بابتسامة باردة، وتُبرَّر بكلمة «الانشغال» التى لا تُسمن ولا تُشبع من جوع.

الأم التى استبدلت مفهوم الوصاية بفكرة التوصيل، ألم تسمع يوميًا عن خطف الأطفال، وسرقة أعضائهم، وحوادث الاختفاء التى تبدأ فى لحظة غفلة ولا تنتهى أبدًا؟ المفارقة المؤلمة أنها لو كانت طلبت إحضار فستان من محل، لربما كانت أكثر خوفًا وحرصًا عليه من الابن. فى تلك اللحظة، لا يعود الطفل إنسانًا كامل الحقوق، بل يتحول إلى بند فى قائمة الطلبات، يُسلَّم ويُستلم، وتُحمد الأقدار فقط لأنه وصل حيًّا.

النقاش العام انشغل بتمجيد «جدعنة» عامل التوصيل. صحيح، الحمد لله أنه كان أمينًا ولم يؤذِ الطفل، لكن الأخلاق لا تُقاس بالحظ، والمجتمعات لا تُدار بمنطق «جت سليمة». حسن النية لا يُبرر خطأ الأم، ولا يبرئ الحضانة التى سلّمت طفلًا لشخص غريب بلا سند قانونى، ولا يُسقط المسئولية القانونية فى زمن فقدت فيه الثقة معناها.

أين المجلس القومى لحقوق الطفل من واقعة كهذه؟ الطفل ليس ملكية شخصية، ولا طردًا قابلًا للتوصيل، بل أمانة وضعها الله بين أيدينا. والمسئولية عن هذه الأمانة لا تُجزّأ، ولا تُفوَّض للغرباء. وحين تفشل أم فى إدراك هذه الحقيقة، لا يعود الأمر شأنًا خاصًا، بل قضية عامة تمس سلامة المجتمع بأكمله.
يا سادة، أطفال يُعاملون بهذا القدر من الاستهانة.. هل ننتظر منهم أن يكبروا أسوياء؟ أم أننا نضعهم منذ البداية فى «صندوق»، ثم نطلب من الحياة أن تُوصلهم سالمين؟