فى زمن تتكاثر فيه الشعارات وتقل فيه النماذج الحقيقية، يفرض مشروع «سكن لكل المصريين» نفسه كاستثناء نادر، لا لأنه مشروع إسكان فقط، بل لأنه تجربة دولة قررت أن تواجه جذور الأزمة، لا مظاهرها، وأن تنحاز للمواطن قبل السوق، وللحق فى السكن قبل منطق الربح.
قبل عشر سنوات، كانت أزمة الإسكان أحد أخطر الملفات الاجتماعية فى مصر؛ طلب متزايد، أسعار منفلتة، عشوائيات تزحف، وأراضٍ زراعية تُلتهم بلا رحمة. كان المشهد ينذر بانفجار اجتماعى صامت. هنا جاء القرار السياسى الحاسم: الدولة لن تترك المواطن ليبنى بيده العشوائية، ولن تترك السوق وحده يحدد مصير الحق فى السكن.
«سكن لكل المصريين» لم يكن مجرد برنامج حكومي، بل تحول فى فلسفة الدولة. لأول مرة، تُدار قضية السكن كحق دستورى وأداة حماية اجتماعية وأمن قومى فى آن واحد. مليونان من الوحدات السكنية، أكثر من 10 ملايين مواطن، نسبة إشغال تقترب من 94%، وأرقام تتحدث عن نفسها، لكنها لا تختزل المعنى الحقيقى للمشروع.
القيمة الحقيقية هنا ليست فى عدد العمارات، بل فى كسر الحلقة الجهنمية للعشوائية. حين توفر الدولة سكناً آمناً وميسراً، فهى لا تبنى جدراناً فقط، بل تحمى الأرض الزراعية، وتعيد رسم الخريطة العمرانية، وتمنع تشكل بؤر الفقر الجديدة. ولذلك لم يكن غريباً أن يوصف المشروع بأنه «أول حائط صد» أمام البناء العشوائي، وهو توصيف دقيق بلا مبالغة.
الأهم أن المشروع أعاد تعريف العدالة الاجتماعية بمعناها العملي. الدعم لم يعد عشوائياً أو مفتوحاً بلا معايير، بل دعم ذكى موجه يصل إلى مستحقيه، يغطى 50 إلى 60% من قيمة الوحدة، ويمنح المواطن فرصة امتلاك حقيقية دون أن يسحقه التمويل أو يرهقه الإيجار. هنا يصبح السكن أداة استقرار، لا عبئاً دائماً.
ولأن الرؤية كانت شاملة، لم يتوقف المشروع عند محدودى الدخل، بل امتد إلى متوسطى الدخل، تلك الفئة التى طالما وُصفت بأنها «العمود الفقرى للدولة» لكنها تُترك عادة بين مطرقة الغلاء وسندان غياب الحلول. إدخال هذه الشريحة ضمن البرنامج لم يكن رفاهية، بل ضرورة لحماية التوازن الاجتماعى ومنع الانزلاق إلى مناطق الخطر.
«سكن لكل المصريين» هو أحد أعمدة «الجمهورية الجديدة» لأنه يربط بين العدالة الاجتماعية، والتخطيط العمراني، والأمن الاقتصادي، والكرامة الإنسانية. هو نموذج يقول إن الدولة القوية لا تُقاس فقط بالمشروعات العملاقة، بل بقدرتها على حماية أبسط حقوق مواطنيها.
بعد عشر سنوات، يمكن القول بوضوح: ما تحقق فى هذا الملف لم يكن ليحدث لولا إرادة سياسية اختارت أن تسبق الناس بخطوة، لا أن تتركهم فريسة للحاجة. والتحدى القادم ليس فى الاحتفال بالإنجاز، بل فى الحفاظ عليه، وتطويره، وضمان استدامته، حتى يظل السكن فى مصر حقاً مصوناً… لا حلماً مؤجلاً.

شريف زرد يكتب: كيف أعاد كريم بدوي رسم خريطة الطاقة وهيكلة "البترول" من الداخل؟
عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟







