يحدث فى مصر الآن

رحلتى إلى كوريا الشمالية

يوسف القعيد
يوسف القعيد


فهمتُ سبب كل هذا التوتر، فهنا يعنى هذا الانضباط وهو أيضًا سبب تلك الكراهية الظاهرة أو ربما الاحتقار

هذا كتاب أهدته لى دار العربى للطبع والنشر، وهو من كُتُبها الجديدة المعروضة فى معرض القاهرة الدولى للكتاب الآن. مؤلفه جوزيه لويس بايشوتو، وترجمته للعربية سارة ساطور. وقد ذكَّرنى الكتاب قبل أن أقرأه برحلتى القديمة التى تمت قبل سنوات إلى كوريا الشمالية، حيث وصلت إليها عن طريق موسكو وقضيت فيها أياما وليالى.

لذلك اقتنيت الكتاب بسرعة وقرأته باهتمامٍ. يبدأ هكذا:

كان قلبى ينبض بعنف، جميع الأضواء منطفأة، ركضت وحيداً نحو نهر تايدونج، وجدت آلافاً من الناس على ضفتيه، وعبر الظلام المُعتم مررت بينهم. مثلت الكمية الكبيرة من الألعاب النارية التى ظلت تنفجر فى السماء منذ ما يقرب من ساعة على طول كيلومترات من النهر، كان مصدر الضوء تلك الألعاب، وهناك بجانبى فى الظلام لم يخفض أحد صورته أو نظره عندما رآنى، لم يكن لوجودى أى تأثير وخلال تلك الدقائق كنت فى كوريا الشمالية.
ويُصدِّر المؤلف كتابه بجملة مهمة للكاتب الإسبانى الشهير ميجيل دى سيرفانتس صاحب رواية: دون كيخوتة:

 أمازلت يا صديقى لم تدرك الأمر بعد، وقد رافقتنى لوقتٍ طويل، كل قصص الفرسان الجوالة تبدو كأوهام وحماقات وتهورات ليس لأنها كذلك فى الحقيقة، بل لأن مجموعة من السحرة يتدخلون فى أمرنا عند كل خطوة فيغيرون ويبدلون ويعكسون كل شىء كما يحلو لهم حسبما يرون أنه يفيدنا أو يضرنا.
ويبدأ المؤلف حكايته هكذا:

رأيت الكراهية فى عينى ضابط الجمارك وهو ينظر إلىَّ، كان يرتدى زياً جديداً بحذاءٍ لامع ورتبة متألقة، ربما فى الستين من عمره، وربما كان والد شخص فى مثل عمرى. وقفت فى ممر القطار وسط الحشود التى تنتظر مثلما كنت أفعل وحين جاء دورى دخلت ممسكاً بجواز سفرى وقد فتحته أمامه ليراه، تمعَّن فى جواز السفر وكأنه يقارننى بالصورة، لكنه لم يُمعِن طويلاً فيها، بل ثبَّت عينيه علىَّ بصرامة وبنظرة فولاذية لا تلين، وقد شدت نظراته أوتار جسدى كله.

فهمتُ سبب كل هذا التوتر، فهنا يعنى هذا الانضباط وهو أيضاً سبب تلك الكراهية الظاهرة أو ربما الاحتقار الذى خُيِّل إلىَّ أنه كان يرمقنى بهما، لكن فى النهاية لم تكن كراهية بل كانت انضباطاً. وقد فهمتُ نظرة الانضباط التى نظر بها حارس الجمارك إلىَّ، لكن تلك اللحظة لم يكن بإمكانها أن تدوم إلى الأبد، فقد جاءت اللحظة التى خفض النظر فيها إلى جواز سفرى، أعلم أن صورتى تبتسم له. لكنى لم ألحظ أى رد فعلٍ على وجهه.

ففى تلك البقعة من آسيا يمكن أن يحمل الابتسام معنى مختلفاً تماماً عما جعلنى أبتسم حين كنت أعد أوراق جواز السفر، فكثيرًا ما يولد الابتسام من الشعور بعدم الارتياح أو الإحراج أو حتى المعاناة، لكن الحارس لم يكن قريباً من الابتسام على الإطلاق. فجأة دخل حارس آخر من خلفى يرتدى زياً رسمياً مطابقاً لزميله، ولكنه كان أقصر قامة منه، قال بلهجة جادة ومن طريقة حديثه وإصغائه، بدى لى أن رتبته أقل من زميله.

بعد أن خرجت من المطار نسيت تقريباً ذلك الشعور الدائم الذى يمنحه الهاتف المحمول من خلال إمكانية الاتصال الدائم فى أى وقت كخطٍ غير مرئى بيننا وبين من نحتاج إليهم. فقد عرفتُ أنه لا يسمح بدخول الهواتف المحمولة إلى كوريا الشمالية، يجب على جميع الأجانب دون استثناء تسليم هواتفهم للسلطات التى تحتفظ بها حتى موعد المغادرة، حتى إذا عبر المسافر من حدود وخرج من أخرى على بُعد كيلومترات كما فى حالتى.

عندما يصل أجنبى إلى كوريا الشمالية يكون تاريخ وشروط المغادرة محددة تماماً، لا مجال للارتجال أو تغيير الخطط، لذلك لابد من تسليم الهاتف المحمول والمتعلقات الأخرى المحظورة فى البلاد. فى الأيام الأولى كان ينتابنى ذعر مفاجئ معتقداً أننى فقدت تليفونى. كنت أشعر أننى أستيقظ من كابوس وأضع يدى فى جيوبى بحثاً عنه، ثم أتذكر مجدداً أننى وضعته فى كيس بلاستيك.

المؤلف من أبناء البرتغال، قام برحلة فريدة إلى كوريا الشمالية، وكتب عن رحلته وله كتاب آخر ترجمته دار العربى للطبع والنشر عام 2016 عنوانه: مقبرة البيانو.