كل يوم

حين تنتصر الدولة للعقل

د.فتحى حسين
د.فتحى حسين


فى زمن تكثر فيه الضوضاء ويعلو فيه صوت الاستهلاك على صوت المعرفة، يصبح دعم المتفوقين والعلماء فعلًا سياسيًا بامتياز، وانحيازًا واضحًا للمستقبل. من هنا تأتى أهمية منحة دعم المتفوقين والعلماء التى تتبناها وزارة التعليم العالى، برعاية كريمة من السيدة انتصار السيسى، باعتبارها رسالة قبل أن تكون إجراء، وموقفًا قبل أن تكون منحة.

هذه المبادرة لا تنحاز فقط لأصحاب الدرجات العليا، بل تنحاز لفكرة أن العلم هو خط الدفاع الأول عن الدولة الحديثة. أن العقول الجادة لا ينبغى أن تترك وحيدة فى معارك البحث والتجريب، ولا أن تُستنزف فى همّ المعيشة أو البحث عن فرصة خارج الوطن. فالدول لا تقاس بما تملكه من موارد فقط، بل بما تحميه من عقول.

رعاية السيدة انتصار السيسى لهذه المنحة ليست تفصيلًا بروتوكوليًا، بل دلالة رمزية عميقة. فهى تعكس وعيًا بأن دعم العلم لا ينفصل عن دعم الإنسان، وأن الاستثمار الحقيقى يبدأ من الباحث فى معمله، ومن الطالب المتفوق فى جامعته، ومن الأستاذ الذى يصر على المعرفة رغم الصعوبات.

منحة دعم المتفوقين والعلماء تفتح نافذة أمل حقيقية أمام شباب الباحثين، وتمنحهم شعورًا طال انتظاره: أن الدولة تراهم، وتقدّر جهدهم، وتؤمن بأن ما يصنعونه فى صمت هو أساس التقدم. وهى فى الوقت ذاته دعوة للمجتمع كله لإعادة الاعتبار لقيمة العلم، فى مواجهة ثقافة الاستسهال والنجومية الزائفة.
الرهان على المتفوقين ليس ترفًا، بل ضرورة وطنية. فبالعلم تبنى الجامعات، وبالعلم تدار الصناعة، وبالعلم تحمى الهوية. ومن هنا، تصبح هذه المنحة أكثر من دعم مالى؛ إنها إعلان واضح بأن مصر تختار طريق العقل، وتضع العلماء فى المكان الذى يستحقونه: فى صدارة المشهد، لا على هامشه!