د. محمد عبد الحميد الزهار: القرار الجريء في السياسة .. متى تصبح المخاطرة ضرورة ؟

د. محمد عبد الحميد الزهار
د. محمد عبد الحميد الزهار


في السياسة لا يُقاس النجاح دائمًا بحجم المكاسب بل بقدرة صانع القرار على تحديد اللحظة التي يصبح فيها التردد أكثر خطورة من المخاطرة.
فالقرار الجريء لا يُتخذ بدافع المغامرة ولا بدافع البطولة بل حين تضيق البدائل وتتحول المحافظة على الوضع القائم إلى عبء استراتيجي يهدد الدولة أو النظام السياسي أو حتى بقاء القرار الوطني ذاته.

أولاً - الفرق بين الجرأة والمغامرة : غالبًا ما يُساء فهم القرار الجريء، ويُخلط بينه وبين التهور.
فالجرأة السياسية لا تعني القفز في المجهول بل تعني: إدراك أن كلفة اللاقرار أصبحت أعلى من كلفة القرار ، والاقتناع بأن الاستمرار في المسار القديم لم يعد ممكنًا دون خسائر أكبر
أما المغامرة فهي اتخاذ قرار دون تقدير شامل للمخاطر أو بدافع اللحظة أو تحت ضغط الرأي العام دون رؤية استراتيجية.

ثانياً- متى تتحول المخاطرة إلى ضرورة؟ : يمكن تحديد أربع لحظات رئيسية يصبح فيها القرار الجريء ضرورة لا خيارًا: 
1- عندما ينهار التوازن القائم : في كثير من الأحيان، يُبنى الاستقرار على توازن هش ، وحين يختل هذا التوازن، فإن محاولة ترميمه بالوسائل القديمة قد تؤدي إلى انفجار أكبر.  و هنا يصبح القرار الجريء إعادة تأسيس للمشهد لا مجرد رد فعل.

2- حين تستنزف الأدوات التقليدية : الدبلوماسية، التهدئة، الوساطة، الضغوط الناعمة ، كلها أدوات مهمة، لكنها ليست أبدية ، وحين تفشل هذه الأدوات في تحقيق أهدافها، فإن الإصرار عليها يتحول إلى عجز مقنّع.

3- عندما يفرض الزمن إيقاعه : في بعض الملفات، الزمن ليس عنصرًا محايدًا ، التأخير قد يعني: خسارة موقع ، فقدان شرعية ، أو انتقال زمام المبادرة إلى أطراف أخرى ، القرار الجريء هنا هو استعادة السيطرة على الوقت.

4- حين تهدد الكلفة الصامتة بقاء الدولة : أخطر أنواع الخسائر هي تلك التي لا تُرى فورًا: تفكك الثقة اهتزاز الردع تآكل الهيبة ، وحين تصل الدولة إلى هذه المرحلة فإن القرار الجريء يصبح قرار إنقاذ.

ثالثاً - دروس من الواقع الدولي : التاريخ السياسي المعاصر مليء بلحظات حاسمة اتُّخذت فيها قرارات جريئة أعادت رسم المشهد: قرارات غيّرت مسارات حروب ، أو أعادت تعريف التحالفات ، أو أنقذت دولًا من الانزلاق إلى الفوضى ؟ و القاسم المشترك بينها لم يكن القوة فقط، بل وضوح الرؤية والاستعداد لتحمّل الكلفة.

رابعاً- لماذا تخشى الأنظمة القرار الجريء؟ : لأن القرار الجريء: يعرّض صاحبه للمساءلة ، وقد يواجه رفضًا شعبيًا مؤقتًا ، ويكسر حالة الراحة السياسية ، لكن التاريخ يُظهر أن الخوف من القرار كان سبب سقوط أنظمة أكثر من القرار نفسه.

خامساً - القرار الجريء في السياق العربي : في المنطقة العربية تزداد حساسية القرار الجريء بسبب: تشابك الملفات الإقليمية ، تعدد الضغوط الدولية ، هشاشة بعض البنى الداخلية ، ومع ذلك أثبتت التجربة أن غياب القرار كان أكثر كلفة من اتخاذه سواء في ملفات الأمن القومي أو بناء الدولة أو مواجهة الفوضى.

القرار الجريء في السياسة ليس فعل بطولة بل حساب عقلاني في لحظة ضيق ، والمخاطرة لا تصبح ضرورة إلا حين يصبح البديل عنها خطرًا وجوديًا ، في تلك اللحظة فقط، لا يُسأل صانع القرار: لماذا خاطرت؟ ، بل يُسأل: لماذا تأخرت؟

كاتب المقال : باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية