ليست كل التماثيل صامتة، فبعضها يحمل في ملامحه ذاكرة زمن كامل، وفي مصر القديمة، حيث كان الخلود هاجس الإنسان الأكبر، تحول الخشب الهش إلى وعاء للروح، يحفظ الملامح والهوية، ومن بين هذه الأعمال النادرة، يبرز تمثال «كاعبر» بوصفه شهادة حيّة على عبقرية الفنان المصري وقدرته على منح المادة حياة لا تزول.
يُعد تمثال «كاعبر» أحد أندر وأجمل نماذج النحت الخشبي التي وصلت إلينا من عصر الدولة القديمة، وتحديدًا من الأسرة الخامسة.

ونظرًا لندرة الأخشاب الجيدة في مصر، واعتماد المصريين القدماء على استيراد أخشاب الآرز من لبنان، جاءت التماثيل الخشبية قليلة العدد مقارنة بالحجرية، ما يزيد من القيمة الفنية والتاريخية لهذه القطعة الفريدة.
يمثل التمثال الكاتب القارئ «كاعبر»، أحد كبار موظفي الدولة، وعرف حديثًا باسم «شيخ البلد»، وهو لقب أطلقه عليه عمال حفائر مارييت لما وجدوا بين ملامحه وملامح عمدة قريتهم من تشابه لافت، وقد ظل هذا الاسم متداولًا حتى اليوم.
ويظهر «كاعبر» في هيئة رجل ممتلئ الجسد، في دلالة على الثراء والمكانة الاجتماعية، أما عيناه، فقد صُنعتا بمهارة استثنائية من حجر الكالسيت والبللور والحجر الأسود، وأُحيطتا بإطار من النحاس محاكاةً لكحل العين، مما منح التمثال نظرة واقعية نابضة بالحياة.

ويمسك في يده اليمنى جسما أسطوانيًا يرجح أنه رمز لوظيفته، بينما تحمل يده اليسرى عصا، وقد صور في وضع المشي مع تقدم القدم اليسرى، في رمز للحركة والاستمرارية.
بداية القصة، في ليلة هادئة بسقارة، جلس النحّات العجوز أمام جذع الخشب القادم من الشمال، مرّر يده عليه طويلًا، ثم همس: «لن أنحت جسدك.. بل روحك».
وكان «كاعبر» يقف أمامه صامتًا، يراقب كيف تتحوّل ضربات الإزميل إلى ملامح تشبهه أكثر مما ينبغي، وحين اكتملت العينان، شعر كاعبر لأول مرة بأن أحدًا سيظل يراه، حتى بعد أن يُغلق عينيه إلى الأبد.
حكاية أثر، بعد موته، لم يُغلق التمثال عينيه، ظل واقفًا في مقبرته، قدمه متقدمة كأنه يستعد لعبور جديد، كان الكهنة يمرّون، فيخفضون أصواتهم، فبعض الحراس أقسموا أن «شيخ البلد» يغيّر نظرته مع شروق الشمس.
لم يكن حارسًا للمقبرة فقط، بل شاهدًا على زمنٍ عرف العدل والكتابة والذاكرة، وكل من وقف أمامه، شعر بأن الخشب يتنفس، وكأن كاعبر ما زال يسجل أسماء العابرين، واحدًا تلو الآخر.

عربة عمرها 3 آلاف عام ما زالت تحير العلماء.. ما سر عربة يويا؟
"خبيئة بانحسي".. حين تحدثت مرآة الكاهنة وأسرار الذهب من أعماق هليوبوليس
حكاية الأواني الملونة.. فن يروي أناقة مصر القديمة






