2 المنتدى.. ملامح عالم يتغيّر

 منتدى دافوس الاقتصادى العالمى
منتدى دافوس الاقتصادى العالمى


لم ينتهِ منتدى دافوس الاقتصادى العالمى هذا العام بإجابات واضحة، بل انتهى بإحساس ثقيل بأن الأسئلة المطروحة أكبر من قدرة أى منصة على احتوائها. مع انطفاء الأضواء فى المدينة السويسرية الهادئة، بدا أن ما جرى لم يكن مجرد نقاشات تقليدية حول النمو والأسواق والاستثمار، بل كشفًا صريحًا عن عالم يقف عند مفترق طرق تاريخي. دافوس، الذى اعتاد أن يكون مساحة لتبادل التفاؤل الاقتصادي، تحوّل إلى مرآة تعكس ارتباك النظام الدولي، حيث تتراجع القواعد المستقرة، وتتقدم حسابات القوة والمصلحة، ويصبح التنافس هو اللغة الأكثر وضوحًا..

اقرأ أيضًا| الرئيس السيسي: أؤكد ضرورة البناء على مخرجات قمة شرم الشيخ للسلام لإعادة إعمار غزة

منذ الجلسات الأولى، كان واضحًا أن المزاج العام مختلف. القاعات امتلأت بقادة دول وحكومات، ووزراء اقتصاد وخارجية، إلى جانب رؤساء كبرى الشركات والمؤسسات المالية العالمية، لكن كثافة الحضور لم تكن مؤشرًا على انسجام، بقدر ما كانت دليلًا على قلق جماعى من مرحلة انتقالية غامضة. بدا الجميع فى حالة مراقبة متبادلة، يحاول كل طرف قراءة ما بين السطور، وفهم اتجاه الرياح المقبلة، فى عالم لم تعد فيه التحالفات ثابتة ولا مراكز النفوذ مضمونة..

لم تعد القوة العسكرية أو حجم الاقتصاد وحدهما كافيين لتحديد موقع الدول فى هرم النظام الدولي. الحديث المتكرر عن «المرونة» و«إدارة المخاطر» عكس إدراكًا واسعًا بأن العالم دخل مرحلة تتشابك فيها السياسة بالاقتصاد على نحو غير مسبوق. فى هذا السياق، لم يكن دافوس مكانًا لاتخاذ قرارات كبرى، بل مساحة لاختبار الأفكار، وقياس ردود الفعل، ومحاولة استشراف ما هو قادم.


التحولات الأمريكية حضرت فى خلفية كل نقاش، حتى حين لم تُذكر بالاسم. سياسات إعادة توطين الصناعات، وتشديد القيود التجارية، وربط الاقتصاد بالأمن القومي، شكّلت الإطار غير المعلن للعديد من الجلسات. هذه التوجهات أثارت قلقًا واضحًا لدى حلفاء تقليديين فى أوروبا وآسيا، ممن بنوا نماذجهم الاقتصادية على عولمة مفتوحة وقواعد متعددة الأطراف. الشعور السائد كان أن العالم يشهد إعادة كتابة لقواعد اللعبة، تقودها الولايات المتحدة وفق أولوياتها الاستراتيجية، لا وفق توافقات جماعية كما فى السابق، وهو ما فتح نقاشًا واسعًا حول مستقبل المؤسسات الدولية وقدرتها على إدارة هذا القدر المتصاعد من التنافس.


اقتصاديًا، سيطر عدم اليقين على الأجواء. لم يعد التباطؤ الاقتصادى أو التضخم يُنظر إليهما كأزمات دورية عابرة، بل كأعراض لتحول هيكلى أعمق. الاقتصاد العالمي، كما بدا فى دافوس، أصبح أكثر تسييسًا، وأكثر خضوعًا للحسابات الجيوسياسية، ما قلّص من قدرة الأسواق على العمل وفق منطقها التقليدي. سلاسل الإمداد، وأمن الطاقة، وتأثير الصراعات الإقليمية على التجارة العالمية، كانت محاور متكررة، عكست إدراكًا متزايدًا بأن الاستقرار الاقتصادى لم يعد مسألة تقنية بحتة، بل قرار سياسى بالدرجة الأولى.


فى ممرات المنتدى وجلساته الجانبية، تكرر الحديث عن هشاشة النظام الحالي. مديرون تنفيذيون تحدثوا عن صعوبة التخطيط طويل الأمد، ومسئولون حكوميون أقروا ضمنيًا بأن أدوات الماضى لم تعد كافية لإدارة تحديات الحاضر. دافوس، فى هذه النسخة، بدا أقرب إلى غرفة تشخيص عالمية، أكثر من كونه مختبر حلول.

اقرأ أيضًا| الرئيس السيسي: يجب الالتزام بتسوية النزاعات بالطرق السلمية والسعي لتعزيز التكامل بين الدول

الذكاء الاصطناعى شكّل العنوان الأبرز للمنتدى، لكنه جاء هذه المرة محمّلًا بأبعاد سياسية واستراتيجية واضحة. ركزت النقاشات على التكنولوجيا باعتبارها ساحة صراع استراتيجي، لا مجرد محرّك للنمو. طغى على الخطاب، المخاوف من الاحتكار، واتساع الفجوة بين الدول المنتِجة للتكنولوجيا وتلك المستهلكة لها، وتحول الابتكار إلى أداة نفوذ سياسى واقتصادي.

فالدعوات إلى حوكمة عالمية للتكنولوجيا لم تُطرح فقط من زاوية أخلاقية أو تنظيمية، بل ارتبطت بشكل وثيق بإدارة التنافس بين القوى الكبرى، خاصة بين الولايات المتحدة والصين. وقد برز ذلك بوضوح فى الجدل حول الطاقة النظيفة والتكنولوجيا الخضراء، حيث تحولت المناقشات التقنية إلى ساحة مواجهة خطابية حول من يملك حق وضع المعايير العالمية، ومن يقود مسار التحول التكنولوجى فى العقود المقبلة.

الردود المتبادلة بين القوى الكبرى داخل أروقة دافوس كشفت أن المنتدى بات يعكس صراعًا أيديولوجيًا واقتصاديًا متصاعدًا، يتجاوز حدود التجارة إلى معركة على السرديات والمعايير. وفى هذا السياق، بدا أن الحديث عن التعاون الدولى يصطدم بواقع تنافسى يدفع كل طرف إلى حماية تفوقه التكنولوجى والصناعي، حتى وإن جاء ذلك على حساب التوافقات العالمية.

أما ملف الطاقة والمناخ، فكشف عن تناقض صارخ بين الخطاب والواقع. رغم التزام كثير من القادة بخطاب التحول الأخضر، أظهرت النقاشات أن الضغوط الداخلية وأزمات الطاقة دفعت دولًا عدة إلى إعادة ترتيب أولوياتها، حتى وإن تعارض ذلك مع تعهداتها البيئية. هذا التناقض منح الملف البيئى بعدًا سياسيًا أكثر وضوحًا، وأكد صعوبة بناء توافق عالمى فى ظل تصاعد النزعات الوطنية وتضارب المصالح.

الصراعات الإقليمية فرضت نفسها بقوة على أجواء المنتدى، ليس كملفات سياسية منفصلة، بل كعوامل مباشرة تهدد الاقتصاد العالمي. من تقلبات أسعار الطاقة، إلى اضطراب سلاسل الإمداد، وصولًا إلى ارتفاع معدلات التضخم، بات واضحًا أن الاقتصاد لم يعد قادرًا على الانفصال عن الجغرافيا السياسية.

الرسالة التى خرج بها كثير من المشاركين كانت أن أى تخطيط اقتصادى طويل الأمد أصبح مستحيلًا دون فهم عميق للتحولات السياسية والصراعات القائمة.


أما المدخلات والتوصيات التى خرج بها المنتدى، فقد تمحورت حول أولوية الحوار، والحاجة إلى إصلاح آليات التعاون الدولي، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص. غير أن الطابع العام لهذه التوصيات كشف فى الوقت ذاته عن محدودية قدرة المنتدى على إنتاج التزامات عملية، فى ظل عالم تتزايد فيه النزعات الأحادية وتتراجع فيه الثقة بالمؤسسات متعددة الأطراف.

ومع اقتراب ختام المنتدى، لم تخرج مبادرات كبرى أو اتفاقات ملزمة. الخلاصات جاءت حذرة وعامة، تركز على أهمية الحوار وإدارة الخلافات، دون تقديم حلول عملية للتناقضات العميقة التى كُشف عنها.

هذا العجز لم يكن مفاجئًا، لكنه عكس بوضوح حدود قدرة المنتدى على تجاوز الانقسامات الدولية المتزايدة.

ورغم ذلك، لا يمكن التقليل من أهمية دافوس كمنصة لصياغة الإطار الذهنى الذى تتحرك داخله السياسات لاحقًا. فالمنتدى لا يصدر قرارات ملزمة، لكنه يحدد اتجاهات النقاش، ويكشف عن موازين القوة، ويعطى إشارات مبكرة حول التحولات القادمة. ومن هذا المنطلق، فإن ما شهده دافوس هذا العام من تصعيد فى الطروحات السياسية، وتبادل للرسائل بين القوى الكبرى، يعكس مرحلة جديدة تتسم بتنافس مفتوح على شكل النظام الدولى المقبل.


دافوس 2026 خرج أقل تفاؤلًا، لكنه أكثر صدقًا. كشف عن عالم تتقدم فيه المصالح الوطنية على القواعد الجماعية، وتعود فيه السياسة لتفرض إيقاعها على الاقتصاد، عالم يُدار بالتنافس المحسوب لا بالتعاون الشامل.

وبينما يرفع المنتدى شعار الحوار، تؤكد الوقائع أن المرحلة المقبلة ستتطلب من الدول إدارة توازناتها الهشة بحذر شديد، فى ظل نظام دولى يعانى من فقدان الثقة والغموض. دافوس لم يقدم إجابات نهائية، لكنه قدّم صورة دقيقة للعالم كما هو، بكل توتراته وتحدياته، مشيرًا إلى أن مستقبل النظام الدولى لن يُحسم فى قاعات المؤتمرات وحدها، بل فى مساحات الصراع والتفاوض التى ستعيد رسم ملامحه.