مصر خالية من الجذام بحلول 2030

جهود «أصدقاء مرضى الجذام الخيرية» فى مساندة المرضى وتقديم الدعم المادى والنفسى لهم
جهود «أصدقاء مرضى الجذام الخيرية» فى مساندة المرضى وتقديم الدعم المادى والنفسى لهم


نجوى الفضالى

مسح طبى فى جميع المحافظات وتوفير الدواء للمرضى مجانًا

الخبراء: العلاج المتعدد أثبت فعالية كبيرة فى وقف نشاط البكتيريا والعدوى

شهادات المرضى تؤكد أن الرفض الاجتماعى أشد قسوة من الألم الجسدى

يحتفل العالم باليوم العالمى لمرض الجذام أو «داء هانسن» آخر كل أحد من شهر يناير، وقد تم اختيار هذا اليوم تخليدًا لذكرى وفاة غاندى زعيم الهند الذى أدرك أهمية مرض الجذام.

اقرأ أيضًا| ما هو مرض الجذام؟.. وزارة الصحة توضح التفاصيل وطريقة العلاج

ويعود تاريخ المرض لآلاف السنين وقد بات فى القرن الحادى والعشرين مشكلة ليست فقط طبية بل مؤشراً على قوة نظم الصحة العامة والحقوق الاجتماعية.

وهو من الأمراض المزمنة المعدية التى تستهدف الجهاز العصبى.. الشفاء متاح، لكن الخلاص من العجز والوصم يتطلب أكثر من دواء واحد، سياسة صحيّة واعية، إنصافًا لضحايا المرض، واستثمارات مستمرة فى الكشف المبكر والولوج للعلاج والمجتمع.

اقرأ أيضًا| ​صحة الإسماعيلية تنظم ورشة عمل للتوعية بمرض الجذام

«رغم التقدّم الطبّى الهائل واتساع دائرة الوعى الاجتماعى والتعليمى بين الناس، ما زال مرض الجذام يفرض نفسه كقضية صحية واجتماعية تتجاوز حدود المعرفة الطبية. فبرغم أن علاجه أصبح متاحًا وفعّالًا وقادرًا على السيطرة على المرض بشكل كامل، وتقوم الدولة بعمل مسح طبى فى جميع المحافظات وتوفير العلاج للمرضى مجانًا، فإن الجذام لا يزال محاطًا بهالة من الخوف والوصم، وهو ما يدفع كثيرين إلى إخفاء أعراضهم وتأجيل طلب المساعدة الطبية عن عمد أو جهل حتى تتفاقم المضاعفات وتظهر الإعاقات الدائمة.

لغز الجذام

الجذام، المعروف أيضًا بداء هانسن، ينجم غالبًا عن بكتيريا Mycobacterium leprae (وأحيانًا Mycobacterium lepromatosis). يصيب الجلد والأعصاب الطرفية وقد يؤثر على الغشاء المخاطى فى الجهاز التنفسى العلوى والعينين. تقدم الأعراض ببطء وتختلف فترة الحضانة بين العدوى وظهور الأعراض من أشهر إلى سنوات، بمتوسط يقارب 5 سنوات وقد يمتد لأكثر من عشر سنوات.. تنتقل العدوى عادة عبر رذاذ الجهاز التنفسى خلال اتصال وثيق ومطوّل مع شخص مصاب غير مُعالَج. العدوى ليست سهلة كما هو الحال فى الإنفلونزا أو السل، إذ يتمتع معظم البشر بمناعة طبيعية. وتزداد خطورة الانتقال فى الحالات متعددة العصيات ذات الحمولة البكتيرية العالية.

اقرأ أيضًا| بمناسبة اليوم العالمي.. 4 أعراض تنذرك بالإصابة بالجذام

علامات خفية

بقع جلدية فاتحة أو حمراء فاقدة الإحساس، خدر وضعف فى الأعصاب الطرفية، خاصة اليدين والقدمين، ما يؤدى إلى ضعف العضلات وتشوهات محتملة. وقد تتطور المضاعفات طويلة المدى إلى فقدان الإحساس، تشوهات، أو تأثر الرؤية عند إصابة الأعصاب المحركة للعين.

الفحص السريرى لآفات الجلد والأعصاب يعدّ الأساس. ويُثبت التشخيص عبر فحوص مخبرية مثل خزعة الجلد أو العصب وفحص المصراع. وتساعد تقنيات الـPCR الحديثة فى اكتشاف الحالات المبكرة التى لا تظهر بوضوح فى المسحات التقليدية.

أكد د. أحمد عامر استشارى الأمراض الجلدية أن علاج الجذام الجديد أثبت فعالية كبيرة فى وقف نشاط البكتيريا ووقف العدوى على حد سواء وهو العلاج المتعدد الأدوية (MDT) -مزيج من الريفامبيسين، الدابسون، والكلوفازيمين- هو العلاج القياسى. وتوصى منظمة الصحة العالمية ببرامج علاجية تتراوح بين 6 و12 شهراً حسب نوع الحالة، وتوفر الأدوية مجاناً عبر برامج عالمية.

خطر التأخير

التشخيص المتأخر يظلّ أكبر التحديات، إذ يؤدى نقص الوعى وضعف الوصول للرعاية إلى مضاعفات لا يمكن عكسها بسهولة، تشمل تلف الأعصاب وفقدان الإحساس والتشوهات الدائمة.

يعانى المرضى من وصم اجتماعى يسبب عزلة شديدة وتراجع جودة الحياة، إضافة إلى اضطرابات نفسية. وتؤكد الدراسات المحلية فى مصر والمنطقة أن الخوف من المجتمع يدفع كثيرين لإخفاء المرض وتأجيل العلاج.

رغم أن الجذام أصبح مرضًا يمكن علاجه والسيطرة عليه طبياً، فإن المصابين به ما زالوا يواجهون معركة أشد قسوة من العلاج نفسه: المعركة النفسية والاجتماعية. بين وصمة تاريخية ومجتمع يكرر الجهل، يظل المريض أسير نظرات الخوف والرفض، لا بسبب المرض، بل بسبب الصورة الذهنية المتوارثة عنه.

رفض اجتماعى

ترى د. إيمان عبد الله استشارى الطب النفسى أن رحلة الجذام تبدأ بالنسبة للمريض بصدمة، فالمعرفة بالإصابة «حتى لو كانت فى مناطق غير ظاهرة» تخلق خوفًا هائلاً على الهيئة والشكل الخارجى. تقول د. إيمان، خبيرة علم النفس، إن بعض المرضى يشعرون بأن حياتهم انتهت لمجرد التشخيص، «ليس لأن المرض خطير، بل لأن المجتمع يضعهم داخل قفص لا ذنب لهم فيه»..

تؤكد شهادات المرضى أن الرفض الاجتماعى أشد قسوة من الألم الجسدى. فالمريض يشعر بأنه مرفوض دون سبب، ويفقد ثقته فى نفسه، ويبدأ تدريجيًا فى العيش على هامش المجتمع، رغم أنه لم يختر مرضه، ولم يكن له دور فى حدوثه.

توضح د. إيمان أن جذور الوصمة قديمة، إذ كان الجذام يُوصف قديمًا بـ«النجس» الذى لا يجوز التعامل معه. هذه الصورة التاريخية رسخت فكرة «العزل» وخلقت ما عُرف بـ«مستعمرات الجذام».

ورغم التقدم الطبى الذى جعل المرض قابلًا للشفاء، فإن بقايا تلك الثقافة ما زالت عالقة فى الوعى الجماعى.
وفقًا لمدرسة علم النفس الإنسانى، فإن أساس العلاج النفسى يبدأ من تقبّل الإنسان كما هو، بأى شكل وبأى حالة لا يد له فيها. وتشدد د. إيمان على ضرورة ترميم الصورة الذاتية للمريض، وتذكيره أن قيمته لا تقل بسبب مرض قدرى.

تشير د. إيمان إلى أهمية العلاج بالقبول والالتزام (ACT)، الذى يقوم على مبدأ تقبّل الواقع غير المرغوب فيه دون الاستسلام له. وتقول: «على المريض أن يعيش رغم الألم، ويخلق معنى لحياته، ويقترب من الله، ويرى الجانب الإيجابى، ويحافظ على علاقات إنسانية صحية».

جمعية الأصدقاء

يؤكد أحمد جلال، مؤسس جمعية أصدقاء مرضى الجذام، أن نشاط الجمعية بدأ عام 2007 عقب توقف دعم منظمة «كاريتاس» الألمانية فى 2011.
ومنذ ذلك الحين تولّت الجمعية الملف بدافع إنسانى، باعتبار مرضى الجذام فئة مهمشة تحتاج رعاية خاصة، فوفرت لهم مساعدات غذائية وأجهزة تعقيم وعلاجًا طبيعيًا وأدوية، مع تطوير مقار العلاج بالتعاون مع عدد من الجمعيات، أبرزها مؤسسة مصر الخير التى أمّنت بالتعاون مع الجمعية مخزونًا سنويًا من لحوم الأضاحى للمرضى وبعض المساعدات..

أطلقت وزارة الصحة المشروع القومى «مصر خالية من الجذام 2030»، من خلال حملات مسح طبى فى جميع المحافظات لفحص المرضى وأسرهم باعتبارهم الأكثر عرضة للعدوى. وتوفر الدولة العلاج مجانًا بفِرق طبية متخصصة لفحص الحالات القديمة والجديدة، بينما تدعم الجمعية هذه الحملات اجتماعيًا وتشارك فى جهود التوعية بأعراض المرض وأهمية اكتشافه مبكرًا.

دمج المرضى

يشير جلال إلى أن العالم تخلّى عن فكرة المستعمرات بعد اكتشاف العلاج المتعدد الذى يجعل المريض آمنًا منذ بدء العلاج، ولا يتبقى فى مصر سوى مستعمرتى عبدالقادر بالإسكندرية والخانكة بأبو زعبل كمقار طبية تابعة لوزارة الصحة. وتواصل الدولة تنفيذ حملتين سنويًا للوصول لهدف القضاء على المرض، فيما تعمل الجمعية على دمج المرضى فى المجتمع عبر فعاليات وحفلات وتقديم دعم اجتماعى مستمر.

وعن زيادة الوعى أكد د. عامر على استمرار حملات التوعية بعقد المزيد من الندوات فى مراكز الثقافة والمدارس والكنائس.

آخر الاحصائيات

وعن عدد المترددين من مرضى الجذام فى الأقسام الخارجية والاستقبال بمستشفيات الجمهورية ومراكز العلاج المتخصص والوحدات فإن آخر إحصائية لجهاز للتعبئة العامة والإحصاء بلغ عدد المرضى 18775مريضًا.كما بلغ عدد المترددين على القسم الداخلى بأيام علاج بلغت 145يومًا لإجمالى عدد 47 مريضًا فقط.

وبدأت أولى محاولات دمج مرضى الجذام فى المجتمع والتعريف بالمتعافين بفيلم يوم الدين، وهو أول فيلم روائى طويل للمخرج أبوبكر شوقى وتدور أحداثه حول مريض بالجذام يعيش فى مستعمرة الجذام ويسعى للخروج منها وكان الممثل هو راضى جمال، الذى جسد دور بشاى فى فيلم «يوم الدين». راضى ليس ممثلاً محترفًا، بل هو أحد سكان مستعمرة الجذام فى أبو زعبل، وقد اختاره المخرج أبو بكر شوقى لدوره فى الفيلم نظرًا لكونه مصابًا بالمرض نفسه، مما أضفى على أدائه واقعية شديدة.

أما راضى جمال: فكان يعيش فى مستعمرة الجذام فى أبو زعبل منذ طفولته، وقد استعان به المخرج أبو بكر شوقى بعد أن صور عنه فيلمًا تسجيليًا من قبل بعنوان «المستعمرة».

وكان أداء راضى جمال واقعيًا للغاية نظرًا لكونه مريضًا بالجذام بالفعل ولم يمثل أمام الكاميرا من قبل وكان أيقونة لأى مريض جذام حاصره المرض داخل نفسه ولكنه تحدى فزاعة الخوف من الاندماج مع المجتمع وأدى ذلك ببراعة.

نموذج مبهج

ومن أحد النماذج المبهجة الحاجة (م-ن) من أسيوط فى ابتسامة طيبة لإحدى الأمهات المصريات وهى تتلقى جرعة الوقاية بعد التعافى فى إحدى الوحدات الطبية بأسيوط قالت، أصابنى الجذام فى سن 25 عاما كنت شابة ولم يمنعنى من ممارسة حياتى بدعم من أهلى، فأخذت العلاج واحرص على التردد على الوحدة الصحية للمتابعة.

خطة عالمية

أصدرت منظمة الصحة العالمية إطارًا استراتيجيًا جديدًا يستهدف تقليل انتقال الجذام والانتقال من «القضاء كقضية صحية عامة» إلى «القضاء التام على المرض». وتشمل الاستراتيجية تعزيز الكشف المبكر، حماية المخالطين بجرعة ريفامبيسين وقائية (PEP)،. وذلك فى إطار حملة الوزارة للقضاء على مرض الجذام بحلول 2030 بحملات ربع ونصف سنوية للمتعافين والمخالطين، وتحسين الوصول للعلاج، ومكافحة الوصم الاجتماعى.