■ بقلم: هشام عطية
منذ هبوب رياح ما سمى بالربيع العربي، مرورا بعاصفة جائحة كورونا، وصولا إلى وباء الحروب الذى يجتاح العالم مؤخرا، وقفت التكنولوجيا خلف كواليس التحولات الجيوسياسية الكبرى بوصفها أداة فاعلة فى إعادة تشكيل الأنظمة وزعزعة الكيانات الدولية لم تعد التكنولوجيا مجرد وسيط محايد، بل تحولت إلى لاعب خفى يعيد رسم خرائط النفوذ والصراع.
دراسات صادرة عن مراكز استراتيجية غربية، وتقارير استخباراتية نشرت فى الإعلام الغربى والعبري، كشفت الوجه المظلم للتكنولوجيا الحديثة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، فى إسقاط الدولة السورية وإدارة الحرب الصهيو-أمريكية على إيران.
ما حدث فى سوريا لم يكن مجرد انهيار عسكرى أو سياسي، بل عملية مركبة تجاوزت منطق الحرب التقليدية. هذه الحقيقة كشفها المفكر الروسى «ألكسندر دوجين»، الملقب بعقل بوتين، حين أشار إلى استخدام تقنيات التزييف العميق لإنتاج أوامر صوتية مقلدة نسبت إلى بشار وماهر الأسد وعدد من كبار القادة العسكريين، ووجهت للضباط الصغار بالانسحاب من مواقع حاسمة، بالتزامن مع بث مشاهد مصنوعة بعناية توحى بهروب القيادات العليا.
الأخطر فى الأمر، كما يرى «دوجين»، أن الذكاء الاصطناعى بات قادرا على أداء دور «جنرال وهمي» يقود الجيوش نحو الانهيار.
وخلال الهجمات الصهيو-أمريكية على إيران، ومن عمق الفضاء الإلكتروني، انطلقت أصوات مألوفة لكنها مزيفة لقادة فى الحرس الثورى الإيراني، تسللت عبر شبكات اتصال مخترقة، وأصدرت أوامر بتغيير الخطط وتحركات القوات. كانت هذه الأصوات فخاخًا رقمية قادت القوات الإيرانية إلى كمائن محكمة.
الأكثر رعبًا أن التقارير تشير إلى أن الكيان الصهيونى يمتلك داخل الوحدة 8200 أكبر أرشيف رقمى لبصمات الأصوات فى الشرق الأوسط، وخاصة القادة العسكريين، ويتم تغذيته إلى نماذج ذكاء اصطناعى قادرة على محاكاة الصوت البشرى بدقة مذهلة.
حماية الأمن القومى لم تعد مسألة سلاح وعتاد فقط، بل معركة على حماية الحقيقة ذاتها. فالمعارك اليوم تخاض على مسرح الوعى البشرى.
فى زمن التزييف العميق، لم يعد التدريب العسكرى التقليدى كافيًا ما لم يقترن بتحصين المجتمع بمناعة فكرية، تحول الشك البناء إلى خط دفاع أول.
مصائر الدول لم تعد تتحدد فى ميادين الحروب، بل فى تلك المساحة الضيقة داخل رأس كل إنسان، التى يمكن أن تصنع الفارق بين عقل يقظ قادر على تمزيق ستائر التزييف، أو آخر مخترق مستسلم لزيف يدفع نحو الهزيمة.. ومن لا يدرك أن تحصين الوعى هو خط الدفاع الأول، يكون قد خسر الحرب قبل أن تبدأ.

هل يفعلها المنتخب؟
من نجريج إلى أنفيلد.. لماذا أحب العالم محمد صلاح؟
الطلاق فى زماننا







