فى أعماق المياه، حيث تصبح الرؤية محدودة والحركة محفوفة بالتحديات، يبرز سؤال جوهرى أمام العلماء: كيف يمكن للتكنولوجيا أن تستكشف هذه البيئات الحساسة دون أن تزعج توازنها؟ من هذا السؤال انطلق ابتكار مصرى يسعى إلى إعادة تعريف مفهوم الروبوتات المائية، ليس كآلات صلبة تقتحم البيئة، بل ككائنات تتفاعل معها بانسجام مستوحى من الطبيعة ذاتها.
يقود هذا التوجه فريق معمل الروبوتات اللينة الحيوية الهجينة بجامعة النيل، حيث يعمل الباحثون على تطوير جيل جديد من الروبوتات المائية القادرة على السباحة والمناورة بمرونة تحاكى الكائنات البحرية الحية.
ويعتمد هذا الابتكار على دمج الإلهام البيولوجى مع هندسة المواد اللينة وأنظمة التحكم الذكية، بهدف إنتاج حلول عملية تخدم البحث العلمى وحماية البيئة فى آن واحد.
جوهر المشروع، كما تقول د.إيرين سامى فهيم، مديرة مركز أبحاث أنظمة الهندسة الذكية بجامعة النيل، يتمثل فى تصميم وتصنيع سمكة روبوتية لينة تعمل بنظام حركة يعتمد على الأوتار ، وهذا النظام يمثل نقلة نوعية مقارنة بالتصاميم التقليدية، إذ يستبدل المفاصل والمحركات الصلبة بمواد مرنة وأوتار دقيقة تقوم بنقل الحركة بسلاسة داخل جسم الروبوت، والنتيجة هى حركة سباحة انسيابية تشبه إلى حد كبير حركة الأسماك الحقيقية، مع قدرة عالية على المناورة فى المساحات الضيقة والبيئات المعقدة.
وتوضح د.إيرين، أن هذه المرونة ليست ميزة شكلية فحسب، بل عنصر أساسى يسمح للروبوت بالعمل داخل بيئات بحرية شديدة الحساسية، مثل الشعاب المرجانية أو المناطق الساحلية الهشة، دون التسبب فى أضرار ميكانيكية أو إثارة الرواسب، وهو ما يجعل السمكة الروبوتية أداة واعدة فى مهام المراقبة البيئية، ودراسة النظم الإيكولوجية، ورصد التغيرات الدقيقة فى جودة المياه.
قدرات حركة متقدمة
وتتمتع النسخة الحالية من الروبوت بقدرات حركة متقدمة تشمل السباحة للأمام والالتفاف يميناً ويساراً بسلاسة، مع إمكانية التحكم فى العمق عبر نظام ذكى لإدارة الطفو.
ويعتمد هذا النظام على وحدة ميكانيكية دقيقة تتحكم فى كثافة الروبوت من خلال إدخال المياه أو إخراجها، ما يسمح له بالهبوط إلى أعماق مختلفة أو الصعود إلى السطح حسب الحاجة. وبدعم من حساسات للضغط والعمق وخوارزميات تحكم متخصصة، يمكن للروبوت الحفاظ على عمق ثابت بدقة عالية، وهى خاصية حاسمة عند تنفيذ عمليات رصد أو تصوير طويلة الأمد.
ولم يقتصر الابتكار على الحركة والتحكم فقط، بل شمل أيضًا تصميم هيكل معيارى يتيح إعادة تهيئة الروبوت وفق طبيعة المهمة، إذ يمكن تزويده بكاميرات عالية الدقة للتصوير تحت الماء، أو دمج مستشعرات لقياس خصائص المياه مثل درجة الحرارة والملوحة والعكارة، دون التأثير على كفاءة السباحة أو استقرار الأداء، هذا الطابع المعيارى يجعل الروبوت منصة بحثية مرنة قابلة للتطوير المستقبلى.
بنية اتصال هجينة
ويكتمل هذا الابتكار ضمن منظومة تشغيل ودعم متكاملة تُعرف باسم «مركز العمليات المائية المفتوحة»، صُممت خصيصًا لدعم الروبوتات المائية وجمع البيانات البيئية، تعمل هذه المنظومة كحل شامل يربط بين الروبوت المغمور تحت الماء ووحدات التحكم والتحليل، مع القدرة على العمل فى أوضاع مختلفة تشمل وحدات محمولة للتحليل السريع، أو منصات عائمة مستقلة تعمل بالطاقة الشمسية، أو مراكز دعم تتحكم فى الروبوتات وتغذيها بالطاقة أثناء المهام الممتدة.. وتعتمد المنظومة على بنية اتصال هجينة تجمع بين الوصلات السلكية الموثوقة تحت الماء والاتصالات اللاسلكية بعيدة المدى فوق السطح، بما يضمن تدفق الأوامر وبيانات الاستشعار بسلاسة حتى فى الظروف البيئية الصعبة، وقد أظهرت الاختبارات الميدانية كفاءة هذا التكامل، حيث أثبت النظام قدرته على الحفاظ على الاستقرار الميكانيكى والعزل المائي، مع توليد قوة دفع كافية لمحاكاة الحركة الطبيعية للكائنات البحرية.
وتختم د.إيرين بالتأكيد على أن هذا المشروع يمثل نموذجاً واضحاً لكيف يمكن للبحث العلمى التطبيقى أن يتحول إلى تكنولوجيا ذات أثر ملموس، تجمع بين الدقة الهندسية والوعى البيئي، فبدلا من تطوير روبوتات تفرض وجودها على الطبيعة، يراهن هذا الابتكار على التكيف معها، واضعاً الأساس لجيل جديد من أدوات الاستكشاف والمراقبة التى تحترم البيئة بقدر ما تسعى إلى فهمها.
لماذا يواصل «الإيبولا» حصد الأرواح بعد 50 عامًا من اكتشافه؟
ابتكار أقوى خرسانة فى العالم بعد 20 عامًا من الأبحاث
علماء مصريون «يحبسون» الهيدروجين داخل بلورات ذكية






