مبنى عباسي بطور سيناء يعيد إحياء ميناء رأس راية

موضوعية
موضوعية


على أطراف خليج السويس، حيث يلتقي التاريخ بالبحر والصحراء، خرج من باطن الأرض شاهد معماري نادر يعيد رسم خريطة النشاط التجاري في سيناء خلال العصر العباسي

كشفٌ أثري استثنائي في رأس راية بطور سيناء لم يثر اهتمام الباحثين فحسب، بل قاد بعثة مصرية إلى الفوز بجائزة مؤسسة الدكتور زاهي حواس لأفضل عمل أثري ميداني لعام 2026.

نجحت بعثة آثار منطقة جنوب سيناء للآثار الإسلامية والقبطية في الكشف عن مبنى تجاري خدمي واسع يرجع إلى العصر العباسي، يقع بمنطقة رأس راية بمدينة الطور، وكان مرتبطاً مباشرة بميناء تاريخي على خليج السويس.

المبنى المكتشف يمتد على مساحة تقارب 1500 متر مربع، ويتخذ شكلاً مربعاً محاطاً بأسوار واضحة المعالم، ويضم مداخل رئيسية، وحجرات متعددة، وأفنية داخلية. 

شُيّد البناء من الحجر الجيري المحلي إلى جانب أحجار مرجانية جُلِبت من البيئة الساحلية المحيطة بالموقع، ما يعكس معرفة البنّائين العباسيين بمواد البناء المتاحة وطبيعة المكان.

وأوضح الدكتور عبد الرحيم ريحان، خبير آثار طور سيناء، أن هذا الكشف جاء ثمرة سنوات من العمل الميداني الدقيق، وأن البعثة التي قامت بالتنقيب والتوثيق والتأريخ نالت جائزة مؤسسة زاهي حواس لأفضل عمل أثري ميداني لعام 2026 خلال الاحتفال بعيد الآثاريين التاسع عشر، ضم فريق البعثة، الآثاري محمد عبد الفتاح مدير عام الحفائر ورئيس البعثة، وعضوية كل من الدكتور أحمد زهران، والدكتور تامر العراقي، والآثاري سيد أبو جميل.

ومن أهم نتائج الحفائر اكتشاف شبكة مياه فريدة أسفل إحدى الحجرات، مبطنة بطبقة من الملاط العازل للرطوبة، ما يدل على نظام هندسي متقدم لإدارة المياه داخل المبنى. 

كما عُثر على مجموعة كبيرة من اللقى الأثرية شملت كسرات فخار، وخزفاً ذا بريق معدني، وقطع زجاج ملون، إضافة إلى صنجة زجاجية للميزان منقوش عليها بالخط الكوفي البسيط عبارة: «أمر الأمير عباد».

وبناءً على الدراسة الأثرية للمواد المكتشفة، جرى تأريخ الموقع إلى العصر العباسي الثاني، وتحديداً زمن الأمير عباد بن محمد والي مصر في عهد الخليفة العباسي المأمون (96–98 هـ / 715–718م)، ويُعد هذا الكشف امتداداً لأعمال حفائر سابقة نفذتها بعثة معهد دراسات الشرق الأوسط اليابانية برئاسة الدكتور مؤاتسو كواتوكو حتى عام 2008.

وأشار الدكتور ريحان إلى أن منطقة رأس راية تشكل مدخلاً طبيعياً محمياً داخل خليج السويس (بوغاز)، ما يفسر أهميتها كميناء تجاري قديم، غير أن الموقع يبدو أنه هُجر لاحقاً، وربما كان ذلك بسبب نمو الشعاب المرجانية التي أعاقت حركة السفن، أو نضوب المياه العذبة نتيجة جفاف الآبار.

وتؤكد خرائط عسكرية حديثة نسبيًا أعدتها وكالة رسم الخرائط الدفاعية الأمريكية عام 1968، وخريطة المساحة العسكرية المصرية (1986–1987) أن ممر الدخول إلى البوغاز شهد تضيقاً تدريجياً بفعل تراكم الشعاب المرجانية.

كما يذكر المؤرخ نعوم شقير في كتابه تاريخ سيناء أن ميناء رأس راية كان ميناءً نشطاً وله بئر عذبة وآثار تدل على استيطان قديم، إضافة إلى وجود قبر شيخ ما زال معروفاً لدى أهل المنطقة.

ويُعد هذا الكشف حلقة جديدة في قراءة التاريخ البحري والتجاري لسواحل سيناء، ويبرهن أن الصحراء ما زالت تخبئ أسراراً قادرة على إعادة كتابة فصول مهمة من الماضي الإسلامي في مصر.

اقرأ أيضا | في عيد الآثاريين المصريين.. حين تحرس الأيدي المصرية خلود الحضارة