في الرابع عشر من يناير، لا تحتفل مصر بذكرى عابرة، بل تُجدد العهد مع رجال ونساء حملوا على عاتقهم مسؤولية حماية ذاكرة الوطن، الآثاري المصري هو عين ترى ما خفي، وعقل يقرأ ما صمت، ويد تُعيد للحجر نبضه.
وفي عيدهم، تتجسد قيمة هذا الدور في قصة قناع نادر، عاد إلى الحياة بفضل علمٍ دقيق وإخلاصٍ لا يلين.

بمناسبة عيد الآثاريين المصريين، يسلّط المتحف المصري بالتحرير الضوء على إحدى أندر القطع الأثرية التي تمثل تزاوج عبقرية المصري القديم مع مهارة المرمم المعاصر، وهو قناع السيدة «تا-دي-حر»، الكاهنة التي حملت أسرار الطقوس الدينية في أواخر العصر الصاوي.

يعود القناع إلى الأسرة السادسة والعشرين، وقد عُثر عليه ضمن كشف أثري فريد في منطقة سقارة عام 2018، داخل ورشة تحنيط كاملة المعالم، تحت إشراف عالم الآثار الراحل الدكتور رمضان بدري حسين، ذلك الكشف لم يكن مجرد إضافة رقمية إلى سجل الاكتشافات، بل صُنِّف ضمن أهم عشرة اكتشافات أثرية على مستوى العالم، لما يحمله من دلالات علمية ودينية متكاملة.
وزير السياحة: عدد تذكاري من دورية الأعلى للآثار باسم «رمضان بدري»
وأظهرت التحاليل العلمية المتقدمة باستخدام جهاز الأشعة السينية المحمولة (XRF) أن القناع مصنوع من فضة عالية النقاء تتجاوز نسبتها 99%، ومغطى بطبقة دقيقة من الذهب، في دلالة على المكانة الرفيعة لصاحبته، أما العينان فصُنعتا من الرخام الأبيض والأوبسيديان والزجاج الأسود، بينما زُخرفت الباروكة والحاجبان بزجاج ملون وعجائن دقيقة، في تناغم بصري يعكس ذائقة فنية رفيعة، كما يحمل القناع نصوصًا دينية مختارة بعناية، تعكس المعتقدات الروحية السائدة آنذاك.
أصل الحكاية| "تويا" السيدة التي أنجبت نفوذًا لا يُنسى في قلب الدولة الحديثة
رحلة الترميم لم تكن أقل عظمة من الاكتشاف ذاته؛ فقد كان القناع مغطى بطبقات صلبة من كلوريد الفضة، ما شكّل تحديًا بالغ الحساسية، وبقرار علمي مدروس، فضّل فريق الترميم بالمتحف المصري الاعتماد على التنظيف الميكانيكي الدقيق بدلًا من المحاليل الكيميائية، حفاظًا على طبقة التذهيب الرقيقة من أي تلف محتمل.

واستخدم المرممون أدوات متخصصة شملت أقلام الموجات فوق الصوتية، والمشارط المعدنية، والأدوات الخشبية الدقيقة، إلى جانب تقنيات الليزر في مراحل محسوبة، وجرت جميع الأعمال تحت المجهر، وفق أعلى المعايير العلمية العالمية.
وفي عيد الآثاريين، يقف قناع «تا-دي-حر» شاهدًا حيًا على أن حماية التراث ليست مهنة فحسب، بل رسالة وطنية يحملها أبناء مصر بإخلاص واقتدار، تحية تقدير لكل آثاري ومرمم مصري، ولكل يدٍ أمينة صانت الماضي ليظل حاضرًا، والتاريخ ليبقى خالدًا، كل عام وآثاريّو مصر بخير وعطاء لا ينقطع.

تاريخ عيد الأثاريين:
بدأ الاحتفال بعيد الأثاريين في مصر تقديرًا لذكرى تعيين الدكتور مصطفى عامر كأول رئيس مصري لمصلحة الآثار في عام 1953، وهو المنصب الذي كان مقتصرًا على الأجانب لفترات طويلة. جاءت هذه الخطوة كتأكيد على ريادة المصريين في مجال الآثار، وتقديرًا لدورهم في حفظ التراث التاريخي.. يعود الفضل في فكرة الاحتفال بعيد الآثاريين إلى العالم الأثري الدكتور زاهي حواس، الذي أراد تعزيز الانتماء القومي من خلال هذا اليوم.
عيد الآثاريين هو مناسبة ليس فقط للاحتفال بإنجازات الماضي، بل للتطلع نحو مستقبل أفضل لهذا القطاع الحيوي.. إن دعم الأثريين وتحقيق مطالبهم سيضمن استمرار دورهم في صون التراث الحضاري لمصر، ليبقى هذا التراث شاهدًا على عظمة مصر أمام العالم.

إشادات بنجاح موسم الحج وحصد جائزة «لبيتم» الفضية
مصدر: لا صحة لاستقالة عضو باللجنة العليا للحج بسبب الموسم الحالي.. والجميع يعمل لخدمة الحجاج
حوار| أحمد صالح: التنسيق مستمر مع مكة المكرمة حتى عودة آخر فوج يوم 12 يونيو







