لم يكن الحقد منتشرا فى بلادنا. كان الحب يسود البيوت، وكانت المودة ترفرف على أماكن العمل. لم تكن السكاكين تُغرس فى ظهور الزملاء ولا كان الدس معروفا كطريقة للوصول السريع، ولا كان الصعود فوق جثث الأصدقاء واردا!
أعرف صديقا فقد منصبه، وإذا بالذين كانوا يتمنون لقاءه، يتهربون منه إذا التقوا به مصادفة! الذين كانوا يقيمون له حفل تكريم بمناسبة وبدون مناسبة، أصبحوا يقيمون كل يوم حفلة لاغتياله معنويا والتشهير به وتشريحه. تحولت كل فضائله إلى رذائل وكل مكارمه إلى حقارات. كلما كان الشخص قريبا منه انهال عليه بالاتهامات والشتائم تقربا للسيد الجديد!
بعض الناس لا يجدون غضاضة فى تغيير جلودهم وتبديل ألوانهم، فهم ينحنون لكل قادم، ولهم كل ساعة إله جديد يعبدونه. يعتبرون الجحود كياسة، ونكران الجميل سياسة ولياقة. يقنعون أنفسهم أن العقوق حكمة وأن الطعن فى الظهور رياضة بدنية!
الجالس فوق الكرسى بالنسبة لهم لا يخطئ، فإذا شعروا بأنه سوف يسقط من فوق الكرسى انهالوا عليه بالضربات بلا رحمة أو هوادة. جردوه من كل فضيلة، وكأن الكرسى هو الذى كان يطهره ويجعل منه ملاكا. مبدأهم أن الكرسى يحول القزم إلى عملاق والتافه إلى عبقرى.
لا يفهمون أن قيمة الشخص الحقيقية تظهر وهو يقف على الأرض بلا منصب ولا نفوذ. فبدلة المنصب خدّاعة قد تخفى العيوب وتضاعف الميزات وتهول الكفايات. فيها ضوء يعمى العيون فلا ترى الحقيقة. فيها مغناطيس يجذب النفعيين والانتهازيين وعبدة السلطة، فيتكاثرون حول البدلة كما يتكاثر النمل حول «برطمان العسل»!
لماذا لا نجد الحقد والنفاق إلا فى بلادنا! نريد أن نتعلم أن نحترم أنفسنا ونحترم عقول الآخرين! لا نتصور أن أصحاب المناصب لا يفهمون تملقنا ومدحنا الزائف. نجعلهم يقدروننا بالكفاءة وإتقان العمل واحترامنا لأنفسنا!
نريد أن نتعلم ألا نأخذ الناس بالشبهات، وأن نحقق فى الاتهامات الطائشة قبل أن نتناقلها. نريد أن تعود الفروسية التى كانت تمنعنا أن ندوس مَن يقع على الأرض، أن نقيّم الشخص أولا بخلقه وبمروءته وبشجاعته وبترفعه عن الصغائر وبرفضه أن يسير فى طابور المنافقين أو الانتهازيين.
أتمنى أن يكون الشرط الأساسى لمَن يترقى فى منصبه ألا يكذب ولا يخدع ولا ينتفع بوظيفته. تكون الأخلاق الفاضلة هى إحدى الشهادات المطلوبة التى يقدمها المرشح للوظيفة!
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت.. فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا.

تحت أول ضوء شمس
تصحيح أفكار خاطئة
عقبال بقية مارينا







