■ بقلم: أحمد باشا
لم تكن الإسراء والمعراج واقعة استثنائية عابرة فى سياق الدعوة، ولا حدثًا خارقًا أُريد له أن يُحاكم بمنطق العقل المجرد أو يُستدرج إلى ساحات الجدل. لقد جاءت فى توقيت بالغ الدقة، لتكون مقياسًا إيمانيًا فاصلًا، لا تُختبر فيه القدرات الذهنية، بل يُمتحن فيه عمق التوحيد، وصلابة اليقين، وصدق الانتماء للفكرة الإيمانية فى لحظة تاريخية فارقة.
بهذه المعانى يتجسد الأساس الحقيقى للفكرة. التوحيد. وبتلك الدلالات تتكامل أركانه جميعًا؛ توحيد الألوهية الذى يخلص العبادة لله وحده، وتوحيد الربوبية، الذى يقر بأن الأمر كله بيده، وتوحيد الأسماء والصفات الذى يثبت له سبحانه ما يليق بجلاله دون تشبيه أو تمثيل. فالإسراء والمعراج لم تكن رحلة فى المكان فحسب، بل رحلة فى جوهر العقيدة، أعادت تعريف العلاقة بين العبد وربه على أساس التسليم المطلق.
لم تحدث هذه المعجزة لتكون محل إنكار أو وسيلة استعلاء، كما لا يجوز أن تُتخذ ذريعة للخلاف أو الاختلاف بين المؤمنين. فالمعجزات حين تُسحب إلى ساحات الجدل تفقد روحها، وحين تُستدعى إلى معارك الرأى تُفرغ من مقاصدها. لقد كانت الإسراء والمعراج خطابًا إلهيًا موجهًا للقلوب قبل العقول، وإشارة واضحة إلى أن الحكمة الإلهية لا تُقاس بثوابت العقل المحدودة، بل تُدرك ببصيرة الإيمان.
الثوابت فى هذا المشهد لا تحتمل تأويلًا، أولها أن الرسول الكريم صادق أمين، فإن قال فقد صدق، وإن أخبر فقد بلّغ. وثانيها أن الله سبحانه قادر على كل شىء، قدرة مطلقة تعلو على قوانين الزمان والمكان، ولا تحدها أدوات الإدراك البشرى. وثالثها أن الله متفرد فى ذاته وصفاته، ليس كمثله شىء، يدرك الزمن وآخر الزمن، ولا يدركه زمن، يحيط بالمكان كل المكان، ولا يحيط به مكان.
من هنا، لم يكن الهدف إخضاع المعجزة لمنطق العقل، بل تحرير الإيمان من أسر الجدل. لقد أرادت الحكمة الإلهية أن تُحدث عملية فرز إيمانى حقيقى، تستهدف القلوب قبل العقول، وتكشف مستويات التلقى داخل الصف المسلم آنذاك. فكان فى الناس مَن استقر الإيمان فى قلبه رسوخ الجبال، فكانت له الإسراء والمعراج نعمة ويقينًا. وكان منهم مَن صدق دون اطمئنان، فما زال بحاجة إلى مزيد من التثبيت والإقناع. وكان منهم مَن كذب وتولى، فأمره إلى الله.
لقد كانت هذه المعجزة منحة إلهية كاشفة، وأداة ربانية أعانت الرسول الكريم على إعادة ترتيب أولويات الدعوة، وفق ما أفرزته من انعكاسات على السلوك الظاهر والباطن للمؤمنين. بها قِيس تماسك الفكرة الإيمانية فى الوجدان الجمعى، وبها استبان الصادق من المتردد، والمؤمن من المدعى. وهكذا، لم تكن الإسراء والمعراج اختبارًا للعقول، بل امتحانًا للتوحيد والتسليم، حين نادى الله القلوب، فاستجابت فقط مَن كانت مهيأة للنور.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







