◄ النجاح المصري كان له صدى فى واشنطن، حيث خرج المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف ليؤكد أهمية فتح معبر رفح عبر إجراءات بناء الثقة بين الطرفين الفلسطينى والإسرائيلى
◄ نجح المفاوض المصري في لمّ الشمل الفلسطيني خلال اجتماع الفصائل، مقدّمًا للعالم نموذجًا لحل الانقسام وفق المدرسة المصرية فى التفاوض
في القضايا الكبرى، لا تُقاس فاعلية الأدوار السياسية بما يصاحبها من ضجيجٍ إعلامى، بل بقدرتها على إنتاج نتائج ملموسة، وتغيير مسارات مأزومة، وصياغة توافقات تحمى الحقوق وتمنع الانزلاق إلى ضياعها. ومن هذا المنطلق، يكتسب البيان الصادر عن اجتماع الفصائل الفلسطينية فى القاهرة أهميةً خاصة، ليس فقط لكونه عَكس توافقًا فلسطينيًا نادرًا، بل لأنه أعاد الاعتبار لمنطق المصلحة الوطنية بعد سنوات من الانقسام وصراع الشرعيات.

تعاملت مصر تاريخيًا مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفًا متصلًا مباشرةً بأمنها القومى، وليس مجرد شأنٍ تضامنى أو التزامٍ أخلاقى. هذا الإدراك هو ما يفسّر الحضور المصرى المستمر فى مختلف مراحل الصراع، سواء عبر الوساطة السياسية، أو إدارة التهدئة، أو منع انفجار الأوضاع إقليميًا.
وفى اللحظة الراهنة، تقود القاهرة عملية إعادة ضبط المشهد الفلسطينى، مستندةً إلى تراكم خبرتها، وشبكة علاقاتها، وقدرتها على الجمع بين أطراف متناقضة.
فى هذا السياق، يبرز الدور الذى اضطلعت به مصر بقيادة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى، بوصفه نموذجًا لسياسة خارجية تقوم على الموازنة بين رسوخ المبادئ والمرونة فى التعاطى مع تطورات الواقع. فالموقف المصرى من حرب غزة لم ينفصل عن ثوابته، وفى مقدمتها رفض التهجير القسرى للفلسطينيين، باعتباره تهديدًا مباشرًا للأمن القومى المصرى، وتقويضًا جوهريًا لفكرة الدولة الفلسطينية. هذا الرفض لم يكن تعبيرًا سياسيًا عابرًا، بل تُرجم إلى موقفٍ معلنٍ، تحمّلت القاهرة كلفته السياسية والاقتصادية، فى ظل ضغوط دولية وإقليمية معقّدة.
يمكن قراءة الرؤية المصرية من خلال رفض القاهرة القاطع لأى محاولة لمعالجة الأزمة الإنسانية فى غزة عبر إعادة توزيع السكان، حتى تحت لافتاتٍ مؤقتة، وتأكيدها مرةً تلو الأخرى أن ذلك يمثل خطرًا استراتيجيًا طويل الأمد. فالتهجير لا يعالج جذور الصراع، بل يعيد إنتاجه فى صورةٍ أكثر تعقيدًا، ويحوّل القضية الفلسطينية من صراعٍ سياسى - وطنى إلى أزمة لاجئين مفتوحة، بما يعنى عمليًا شطب حق العودة وإفراغ الأرض من أصحابها. ومن هنا جاء الربط المصرى الواضح بين حماية الفلسطينى على أرضه، والحفاظ على استقرار الإقليم بأكمله.
إن أهمية اجتماع الفصائل الفلسطينية فى القاهرة لا تنبع فقط من نتائجه المباشرة، بل من السياق الذى انعقد فيه، فالانقسام الفلسطينى شكّل على مدار سنوات، ثغرةً استراتيجية استغلتها إسرائيل لتمرير سياسات الأمر الواقع، سواء فى غزة أو الضفة الغربية أو القدس. لذلك، فإن التأكيد الوارد فى البيان الختامى على وحدة النظام السياسى الفلسطينى، والقرار الوطنى المستقل يُمثّل تحولًا مهمًا فى الخطاب، واعترافًا ضمنيًا بأن الانقسام أضعف القدرة على مواجهة مشاريع الضم والتوسع الاستيطانى.
ونجح المفاوض المصرى فى لمّ الشمل الفلسطينى خلال اجتماع الفصائل، مقدّمًا للعالم نموذجًا لحل الانقسام وفق المدرسة المصرية فى التفاوض، القائمة على فقه المصلحة الوطنية. والمقصود بالفقه هنا ليس المعنى الشرعى المتعارف عليه، بل المعنى اللغوى القائم على الفهم العميق لكل أبعاد الأزمة الفلسطينية. وأكاد أجزم بأن مصر هى أكثر الأطراف علمًا وخبرةً بالداخل الفلسطينى، حيث اعتمدت القاهرة فى إدارة هذا الملف على مقاربة متعددة المستويات، فمن جهة، حافظت على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الفصائل الفلسطينية دون استثناء، وهو ما منحها موقع الوسيط المقبول، ومن جهة أخرى، ربطت بين المسار السياسى والبعد الإنسانى، بحيث يصبح أى تقدم تفاوضى مرتبطًا بتحسنٍ فعلى فى الأوضاع المعيشية داخل قطاع غزة. كما قدّمت مصر ضمانات تتعلق بإدارة المرحلة الانتقالية، ومنع الفراغ الأمنى والإدارى، الذى قد يقود إلى فوضى داخلية أو تدخلات خارجية.
النقطة المفصلية فى هذا المسار تمثلت فى التوافق على دعم تشكيل لجنة وطنية فلسطينية انتقالية لإدارة قطاع غزة، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا لدى الفصائل بأن أولوية المرحلة تتعلق بإدارة شئون الحياة اليومية، وتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان، بعيدًا عن صراعات السلطة. ويتقاطع هذا التوجه مع ما ورد فى خطة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب للسلام، التى تركز على ترتيبات مرحلية لإدارة غزة بعد وقف إطلاق النار.
النجاح المصرى كان له صدى فى واشنطن، حيث خرج المبعوث الأمريكى ستيف ويتكوف ليؤكد أهمية فتح معبر رفح عبر إجراءات بناء الثقة بين الطرفين الفلسطينى والإسرائيلى، والانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق السلام، بعدما نجحت مفاوضات القاهرة فى انتزاع توافقٍ فلسطينى نادر على وجود لجنة تكنوقراط لإدارة غزة بدلًا من حركة حماس. ثم جاء إعلان الرئيس الأمريكى دونالد ترامب عن تشكيل «مجلس السلام»، على أن يتم الإعلان عن أسماء أعضائه قريبًا، واصفًا عضوية المجلس بأنها الأرقى فى أى زمان ومكان، وهو ما يعكس محاولة أمريكية واضحة لإعادة هندسة مسار المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، عبر ربط فتح معبر رفح بمفهوم «بناء الثقة» وإعادة ترتيب المشهد الإدارى والأمنى فى قطاع غزة.
لقد أعلنت مصر بوضوح أن انخراطها الإيجابى فى خطة الرئيس ترامب قائم على ثقتها فى قدرة الإدارة الأمريكية والرئيس ترامب على فرض السلام، مع التزامها بمحددات واضحة، هى:
■ منع انهيار وقف إطلاق النار، وتحقيق الحد الأدنى من التوافق الفلسطينى.
■ ربط أى مسار سياسى بترتيبات إدارية وأمنية تحول دون عودة الفوضى.
■ التوافق الفلسطينى على دعم تنفيذ مراحل الخطة، مع التمسك بالثوابت الوطنية، وعلى رأسها رفض التهجير وإقامة الدولة الفلسطينية.
ورغم هذا التقدم، لا تزال التحديات قائمة، خاصة فى ظل احتمالات المناورة الإسرائيلية لتفريغ أى مسار سياسى من مضمونه، والاكتفاء بالشق الأمنى. ومع ذلك، يمكن القول إن مصر نجحت فى لعب دور «مُعادِل التوازن الاستراتيجى» فى معادلة شديدة الاختلال، مستخدمةً ما هو متاح من أدوات لمنع الأسوأ وفتح نافذة للحل.
فى القضايا المصيرية، لا تُقاس الأدوار بحجم الضجيج، بل بوزن الفعل وقدرته على تغيير المسار والوصول إلى توافق يضمن عدم ضياع الحقوق.
ومصر -فى القضية الفلسطينية- لا تبحث عن مكاسب، بل تحمى أمنها القومى فى جوارٍ مباشر ملتهب على الدوام، وجرحًا مفتوحًا فى جسد الأمة، ومسئولية تاريخية لا تسقط بتغيّر الأنظمة أو تبدّل موازين القوى. ففى كل منعطفٍ حاسم، كانت القاهرة حاضرة، تقاتل حين يُفرض القتال، وتفاوض حين يصبح التفاوض هو الطريق الوحيد لإنقاذ الدم.
ورغم الضغوط الدولية غير المسبوقة، والتأثيرات الاقتصادية القاسية، التى فرضتها حرب غزة على الداخل المصرى، والمزايدات الكاذبة والافتراءات التى لاحقت مصر منذ بداية الأزمة، جاء موقف الرئيس السيسى نموذجًا لقيادة قوية وصلبة وجسورة، اختارت الحل السلمى عبر القنوات السياسية، ووقفت سدًا منيعًا أمام كل محاولات تصفية القضية، وتبنّت الاعتراف الدولى بالدولة الفلسطينية باعتباره حقًا نصّت عليه مواثيق الأمم المتحدة، ومبدأً راسخًا بُنيت عليه عملية السلام فى الشرق الأوسط. وقد أثبتت الأيام والتطورات المأساوية صحة الموقف المصرى.
كانت القاهرة هى مَن طرحت الحل السلمى منذ اليوم الأول، وامتلكت القدرة على تقديم ضمانات سياسية وأمنية تتعلق بمستقبل غزة وإدارة المرحلة الانتقالية، وربطت بذكاء بين المسار السياسى والبعد الإنسانى، بحيث يصبح تنفيذ أى اتفاق مرتبطًا بتحسنٍ ملموسٍ فى حياة الفلسطينيين.
ولو دققنا النظر فى بيان الفصائل الفلسطينية، وتأكيده على وحدة النظام السياسى الفلسطينى والقرار الوطنى المستقل، لوجدنا أنها عبارة ثقيلة الدلالة، إذ تحمل اعترافًا ضمنيًا بأن الانقسام كان سلاحًا مجانيًا فى يد الخصم، وبأن معركة الضفة الغربية والقدس لا تقل خطورة عن معركة غزة. فمشاريع الضم الإسرائيلية، والتوسع الاستيطانى، والاعتداء على المقدسات، حلقات فى سلسلة واحدة لا يمكن كسرها بقرارٍ مجتزأ أو موقفٍ منفردٍ.
لقد كانت وحدة الصف الفلسطينى بوصلة التحرك المصرى لسنوات، وتحملت القاهرة فى سبيل ذلك ما يفوق طاقة البشر من اتهامات ومزايدات، لكنها لم تتراجع خطوة واحدة، وظلت متمسكة بأمل توحيد الصف الفلسطينى، حتى تظل القضية قائمة، ويظل الصوت الفلسطينى حيًا صادحًا بحقه المشروع فى الحياة على أرضه.
وفى اعتقادى، فإن مقاربة القاهرة القائمة على فقه المصلحة الوطنية، ونجاحها فى لمّ الشمل الفلسطيني، يجب أن تُقرأ فى كل العواصم العربية، التى تعانى من الانقسام وغياب المشتركات الجامعة بين الفرقاء الوطنيين. فإدراك قيمة التوحّد من أجل المصلحة الوطنية، وتقديم الحل السياسى باعتباره الخيار الأجدى، هو السبيل للخروج من المأزق العربى الراهن، بعدما استنزفت الصراعات المسلحة الأوطان وحياة الناس. وقد آن الأوان لالتقاء الوعى السياسى مع أولويات الحياة للمواطن العربى، من أجل أوطان قادرة على مواجهة الخصوم، لا ممزقة بصراعات الداخل.

نوال مصطفى تكتب: صباح الأحد
القضية الفلسطينية الحقيقة والواقع
الغش التجارى !





