يواصل الشيخ الشعراوى خواطره حول سورة البقرة بقوله: كما ضربنا المثل من قبل ولله المثل الأعلى وقلنا: إن الإنسان يعطى أولاده مصروفا، وكل واحد منهم يضعه فى حصالته، فهب أن واحدًا من الأولاد اضطر إلى شيء عاجل كإجراء جراحة، هنا يذهب الرجل إلى أولاده ويقول لهم: أقرضونى ما فى حصالاتكم لأن أخاكم يحتاج إلى عملية، وسأرده لكم بعد ذلك مضاعفا إن الأب لم يرجع فى هبته ليقول إن ما فى الحصالات هو مالى وسآخذه لا، هو مالكم، لكنه سيكون دينا عندي. كذلك يصنع الله مع الخلق فيوضح: بعضكم عاجز وبعضكم قادر، وسأتكفل أنا بالعاجز، واقترض من القادر.
وكان ضروريا أن يكون بعضنا عاجزًا، حتى لا يظن أحد أن القوة ذاتية فى النفس البشرية لا، إن القوة موهوبة؛ ويستطيع من وهبها أن يسلبها. وحتى يعرف صاحب القوة أن القوة ليست ذاتية فيه، ويجد بجانبه إنسانًا آخر عاجزًا. لكن هذا العاجز الذى سيلفت القوى إلى أن القوة ليست ذاتية، ما ذنبه؟
اقرأ أيضًا | خواطر الشعراوى.. عمارة التكامل
إنّ الله قد جعله وسيلة إيضاح فى الكون وكأن الحق يقول: سنضمن لك أيها العاجز المستوى اللائق من الحياة من أثر قدرة القادر، وما دام من أثر قدرة القادر، فهل سيتحرك القادر فى الكون على قدر «حاجته» أو على قدر «طاقته»؟ لابد أن يتحرك على قدر طاقته؛ لأنه لو تحرك على قدر حاجته فلن يجد ما يعطيه للعاجز.
ويتكلم الحق سبحانه وتعالى عن تلك القضية المهمة فى البناء الاجتماعى والبناء الاقتصادى بعد إثبات قضية البعث والإحياء والإماتة لكى تكون ماثلة أمامنا وينتقل بنا الحق سبحانه وتعالى كى يعطينا الكيان الإسلامى الاقتصادى الاجتماعى فيقول جل شأنه: ﴿مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِى سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ ...﴾ إن الله ينسب المال للبشر المتحركين؛ لأنهم أخذوا هذه الأموال بحركتهم. وفى موضع آخر من القرآن يقول الحق: ﴿وآتوهم من مال الله الذى آتاكم﴾ «النور: ٣٣».
إن المال كله مال الله، وقد أخذه الإنسان بالحركة، فاحترم الله هذه الحركة، واحترم الله فى الإنسان قانون النفعية، فجعل المال المتبقى من حركتك ملكا لك أيها الإنسان، لكن إن أراد الله هذا المال فسيأخذه، ومن فضل الله على الإنسان أنه سبحانه حين يطلب من الإنسان بعضا من المال المتبقى من حركته فهو يطلبه كقرض، ويرده مضاعفا بعد ذلك.
إذن فالإنفاق فى سبيل الله يرده الله مضاعفا، وما دام الله يضاعفه فهو يزيد، لذلك لا تحزن ولا تخف على مالك؛ لأنك أعطيته لمقتدر قادر واسع عليم إنه الحق الذى يقدر على إعطاء كل واحد حسب ما يريد هو سبحانه؛ إنه يعطى على قدر نية العبد وقدر إنفاقه وهذه الآية تعالج قضية الشُح فى النفس الإنسانية؛ فقد يكون عند الإنسان شيء زائد، وتشح به نفسه ويبخل، فيخاف أن ينفق منه فينقص هذا الشيء.
وهنا تقول لك قضية الإيمان: أنفق لأنه سبحانه سيزيدك، والحق سيعطيك مثلما يعطيك من الأرض التى تزرعها أنت تضع الحبة الواحدة. فهل تعطيك حبة واحدة؟ لا إن حبة القمح تعطى كمية من العيدان وكل عود فيه سنبلة وهى مشتملة على حبوب كثيرة، فإذا كانت الأرض وهى مخلوقة لله تضاعف لك ما تعطيه أفلا يضاعف العطاء لك الذى خلقها؟ وإذا كان بعض من خلق الله يضاعف لك، فما بالك بالله جل وعلا؟ إن الأرض الصماء بعناصرها تعطيك، أئذا ما أخذت كيلة القمح من مخزنك لتبذرها فى الأرض أيقال: إنك أنقصت مخزنك بمقدار كيلة القمح؟ لا؛ لأنك ستزرع بها، وأنت تنتظر ما ستأتى من حبوب، وهذه أرض صماء مخلوقة لله، فإذا كان المخلوق لله قد استطاع أن يعطيك بالحبة سبعمائة، ألا يعطيك الذى خلق هذه الأرض أضعاف ذلك؟
إنه كثير العطاء والحق قد نسب للمنفقين الأموال التى رزقهم الله بها فقال: ﴿مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِى سَبِيلِ الله﴾ وكلمة ﴿فِى سَبِيلِ الله﴾ كلمة عامة، يصح أن يكون معناها الجهاد، أو مصارف الصدقات؛ لأن كل هذا فى سبيل الله؛ لأن الضعيف حين يجد نفسه فى مجتمع متكافل، ويجد صاحب القوة قد عدّى من أثر قوته وحركته إليه، أيحقد على ذى القوة؟ لا؛ لأن خيره يأتيه، نضرب المثل فى الريف نقول: البهيمة التى تدر لبنًا ساعة تسير فى الحارة. فالكل كان يدعو الله لها ويقول: «يحميكي» لماذا؟ لأن صاحبها يعطى كل من حوله من لبنها ومن جبنتها ومن سمنها، لذلك يدعو لها الجميع، ولا يربطها صاحبها، ولا يعلفها، ولا ينشغل عليها، والخير القادم منها يذهب إلى كل الأهل، وحين نجد مجتمعًا بهذا الشكل ويجد العاجز من القوى معينًا له، هنا يقول العاجز: إننى فى عالم متكامل.
الأزهر نموذج للحوار والتعايش ودوره اليوم أهم من أى وقت مضى
الزواج ميثاق غليظ| العنف الأسرى خطر يهدد استقرار الأسرة والمجتمع
لماذا أعاد المنشاوى تسجيل ختمته المرتلة؟







