فى عامه الثمانين.. الإمام الأكبر: نـصـرة الـمـظـلـوم غـايـتى

الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب
الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب


حين بلغ الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب عامه الثمانين، لم يلتفت للاحتفاء الشخصى بل استدار بكليته نحو هموم أمته وآلامها وقبل الثمانين كانت نفس القضايا هى شغله الشاغل شيخ الأزهرالمعروف بزهده الشديد وتواضعه وإخلاصه فى عمله لا يحب أن يثنى الناس عليه ويخجل من ذلك، وقد جاءت مناسبة عيد ميلاد فضيلته الثمانين «مناسبة» ليعبروا عن محبتهم له وقد شرفت أن أكون ضمن وفد لمؤسسة أخباراليوم لتهنئة فضيلته بهذه المناسبة فى زيارة ودية غمرنا فيها بمحبته وحفاوة استقباله وبثنا بعض همومه.

وتزامن مع ذلك نشر جريدة صوت الأزهر لحوار-جامع مانع- أجراه معه الكاتب الصحفى أحمد الصاوى رئيس تحرير جريدة صوت الأزهر لخص فيه الإمام فلسفته فى الحياة قائلًا: الحمد لله الذى كفانى بحلاله عن حرامه وأغنانى بفضله عمَّن سواه، وأننى عازف عن كثير مما فى أيدى الناس من زينة الحياة الدنيا، ولا أظن أن عندى ما يجعلنى أستبدل الذى هو أدنى بالذى هو خير، فرضا الله سبحانه، وخدمة الإسلام والمسلمين، والمناداة بحق العدل والسلام والاجتهاد فى حماية الضعيف ونصرة المظلوم أينما كان وكيفما كان، وأيًا كان دينه أو اعتقاده؛ فشريعتنا تنبذ الظلم وتحرِّمه تحريمًا قطعيًا.. كل ذلك هو أقصى ما أبتغيه، وغاية ما أطمح إليه فيما تبقى لى من العمر، وأدعو الله أن يوفقنى فيه ويعيننى عليه.

اقرأ أيضًا | شيخ الأزهر يستقبل السفير الهولندي لحقوق الإنسان لبحث التعاون

وصف الإمام ما يتعرض له الشعب الفلسطينى منذ عقود بأنه «إبادة جماعية» تُبث على الهواء مباشرة ووجه رسائل حاسمة أشاد فيها بشجاعة الرئيس السيسى فى مواجهة الضغوط والإغراءات الدولية الهادفة لتصفية القضية عبر التهجير، واصفًا الموقف المصرى بـ «الشرف البالغ» الذى منع اندثار القضية.

كما أكد أن الأزهر سيظل يدافع عن القدس كعاصمة لفلسطين، مشددًا على أن وحدة العرب هى السبيل الوحيد لإنقاذ الشعب الأعزل. وفكك الإمام الاشتباك المتعمد بين الدين والسياسة، موضحًا أننا نحترم اليهودية كدين سماوى ونستقبل المنصفين من أتباعها، لكننا نحارب الصهيونية كحركة استيطان عنصرية أفسدت المنطقة.

تصدى الإمام لادعاءات عرقلة الأزهر للتجديد، مبينًا أن المؤسسة طورت مناهجها ووثائقها بما يناسب العصر دون إهدار للثوابت، مشيرًا إلى أن الأزهر لا يقدس التراث بل يقدره، ويرفض الانكفاء عليه كليًا كما يرفض إدارة الظهر له، فالتجديد بالنسبة للأزهر عملية مستمرة تراكمية.

وأكد أن المواطنة «أصل» فى الإسلام، ولا يوجد مسوغ شرعى واحد لمنع بناء الكنائس، بل إن الشريعة توجب على المسلم الدفاع عنها كما يدافع عن مسجده.

كما حسم الجدل السنوى مؤكدًا أن تهنئة المسيحيين تطبيق لروح الإسلام وليست مجرد مجاملة، منتقدًا «الفكر المتشدد» الذى تغلغل فى المجتمع منذ السبعينيات وشوه سماحة الدين.

تحدث الإمام عن رحلة «الأخوة الإنسانية» التى لم تكن مفروشة بالورود، بل واجهت معارضة من متشددين فى الجانبين الإسلامى والمسيحي، مستعيدًا ذكرى «البابا فرنسيس» كرجل سلام استثنائي، ومُعلنًا استمرار المسيرة مع البابا الحالى «ليو» لتعزيز التعايش العالمي.

وشدد على أن انفتاح الأزهر العالمى هو صدى لنجاحه الداخلى فى «بيت العائلة» مع البابا تواضروس، وهو النموذج الذى يُحتذى به عالميًا لإخماد الفتن الطائفية.

كما أطلق نداءً لإنهاء الشقاق بين السنة والشيعة، معتبرًا الأخيرين جزءًا عزيزًا من الأمة، ومعلنًا عن مؤتمر قادم بالقاهرة للحوار «الإسلامي- الإسلامي» برعاية رئاسية.

وكمواطن مصري، لم ينفصل الإمام عن واقع التحديات الاقتصادية، داعيًا المصريين لدعم الدولة فى عبور الأزمة الراهنة، ومثمنًا إنجازات حقيقية مثل «حياة كريمة»، والقضاء على فيروس سي، وتطوير العشوائيات وغيرها.

وأكد أن الأزهر يستفيد من كل مفكر جاد يقدر دور المؤسسة، لكنه يرفض الحوار الذى يستهدف هدم الكيان الأزهرى أو إثارة الجدل العقيم.

كما نفى بشدة وجود خطابين للأزهر (واحد للداخل وآخر للخارج)، مؤكدًا أن زمن التواصل الحديث كشف كل شيء، وأن وثيقة الأخوة الإنسانية هى جوهر ما يُدرس فى معاهد الأزهر.

وفى الجزء الأكثر إنسانية، سُئل الإمام عن حظوظه فى «جائزة نوبل» وموقفه من التكريم العالمي، فأجاب بإجابة تلخص شخصيته: «أنا رجل بسيط جدًا.. جائزتى التى أحبها هى كتاب وقطعة خبز وكوب شاى وجلسة هادئة أسفل شجرة فى منزل العائلة بصعيد مصر».

يرى الإمام أن أمانة العلم التى يحملها هى أرفع تكريم، وأن الاحتفاء الحقيقى يكون بالانشغال بقضايا الناس لا بالمناسبات الشخصية. وانتهى الحوار برسالة أمل وتحذير فى آن واحد؛ الأمل فى قدرة الإنسانية على التعايش إذا ما اعتصمت بالحكمة، والتحذير من أطماع الحروب وخطابات الكراهية التى تحول الأديان إلى وقود للصراعات.