غالبا ما ينظر إلى السرطان باعتباره ضربة حظ سيئة أو نتيجة مباشرة لعادات حياتية خاطئة، لكن هذه الصورة ليست كاملة، ففي بعض الحالات لا يبدأ الخطر من نمط الحياة وحده، بل من داخل الجينات نفسها، حيث يمكن أن ينتقل الاستعداد للإصابة بالسرطان من جيل إلى آخر، ورغم أن السرطانات الوراثية لا تمثل النسبة الأكبر من الحالات، فإنها تحمل خطورة خاصة، لأنها قد تظهر في سن مبكرة أو تضرب أكثر من فرد داخل العائلة الواحدة، ما يجعل تجاهلها ثمنه باهظًا.
تشير الدراسات الطبية إلى أن ما يقرب من 5 إلى 10% من حالات السرطان ترتبط بتغيرات جينية موروثة، تنتقل من أحد الوالدين إلى الأبناء عبر البويضة أو الحيوان المنوي، ولا تعني هذه الطفرات الجينية أن الإصابة بالسرطان أمر حتمي، لكنها ترفع احتمالية الإصابة مقارنة بعامة الناس، وهو فارق قد يكون حاسما إذا لم يكتشف مبكرا.
لكن لماذا لا يزال السرطان الوراثي موضوعا غائبًا عن وعي كثيرين؟ يرجع ذلك بحسب خبراء، إلى قلة الحديث عن التاريخ الصحي للعائلات، وصعوبة الربط بين إصابات حدثت قبل سنوات، إلى جانب الاعتقاد الشائع بأن نمط الحياة الصحي كفيل بالحماية الكاملة، وهو ما لا ينطبق دائما في حالة الاستعداد الوراثي، كما تلعب المصطلحات الطبية المعقدة وضعف الوعي بالاختبارات الجينية دورًا في تهميش هذا الملف.
اقرأ أيضا| تجاهل أعراض الأمعاء المبكرة يؤدي إلى تأخر اكتشاف السرطان
وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور فيفيك سوكومار، جراح الجهاز الهضمي والكبد والبنكرياس بمستشفى إس إس أو للسرطان، أن بعض أنواع السرطان ترتبط بشكل أوضح بالطفرات الجينية الموروثة، من بينها سرطانات الثدي والمبيض والقولون والبروستاتا والجلد، ويشير إلى أن ظهور هذه السرطانات في سن مبكرة، أو تكرارها بين أفراد العائلة الواحدة، غالبًا ما يكون أول جرس إنذار يجب الانتباه إليه.
ويعد سرطان الثدي المثال الأشهر على السرطان الوراثي، خاصة مع طفرات جيني BRCA1 وBRCA2، حيث قد يصل خطر الإصابة مدى الحياة لدى حاملات هذه الطفرات إلى 60–80%، مقارنة بنحو 12% فقط لدى عامة النساء، ويوضح الدكتور سوكومار أن طفرات أخرى، مثل TP53 وPTEN وPALB2 قد تزيد الخطر أيضًا، ما يستدعي بدء المتابعة الطبية في سن مبكرة، أحيانا منذ منتصف العشرينات، باستخدام الرنين المغناطيسي والفحوصات السريرية المنتظمة، بدلًا من الانتظار حتى منتصف العمر.

ولا يختلف الحال كثيرا مع سرطان المبيض الوراثي، المرتبط أيضا بطفرات BRCA ومتلازمة لينش، وتكمن خطورته في أن أعراضه غالبًا ما تكون غامضة، ما يؤدي إلى اكتشافه في مراحل متقدمة، لذلك تُنصح النساء الأكثر عرضة بالخضوع لفحوصات دورية مبكرة تشمل التصوير والتحاليل، مع الإشارة إلى أن بعض موانع الحمل الفموية قد تقلل من خطر الإصابة، وفي بعض الحالات قد يُوصى بجراحات وقائية بعد الانتهاء من الإنجاب، وهو قرار صعب لكنه قد ينقذ الحياة.
أما سرطان القولون والمستقيم، فيرتبط في كثير من الحالات الوراثية بمتلازمة لينش أو داء السلائل الورمي الغدي العائلي (FAP)، وهي حالات قد تؤدي إلى الإصابة في سن صغيرة جدًا، ويبدأ الفحص عبر تنظير القولون في سن أبكر وبوتيرة أكثر تكرارًا، مع التركيز على إزالة السلائل قبل تحولها إلى أورام خبيثة، إلى جانب أهمية النظام الغذائي الغني بالألياف والنشاط البدني المنتظم.
وفيما يتعلق بسرطان البروستاتا، يحذر الخبراء من أنه أقل تداولا في سياق الوراثة رغم أن بعض الطفرات الجينية قد تضاعف خطر الإصابة به، خاصة لدى من لديهم تاريخ عائلي قوي. وينصح الأطباء ببدء الفحوصات المبكرة، أحيانًا قبل سن الأربعين، مع الالتزام بنمط حياة صحي.
كما يشير الدكتور سوكومار إلى أن سرطان الجلد، وخصوصا الميلانيني، قد يكون وراثيا أيضا، مع طفرات مثل CDKN2A، ما يستدعي فحصا دوريا شاملا للجلد، والانتباه لأي تغيرات غير طبيعية في الشامات، إلى جانب الحماية الصارمة من أشعة الشمس.

الأزمة القلبية.. 8 إشارات تحذيرية قبل فوات الأوان
علامات في الفم قد تكشف أمراضا خطيرة.. متى تستدعي الأعراض زيارة الطبيب؟
ما وراء السكري.. 6 مخاطر صحية خطيرة تكشف الوجه الخفي لمقاومة الأنسولين
