الفن التشكيلى مجموعة متنوعة من الإبداعات البصرية التى تعكس ثقافات وحضارات الشعوب، ولكل مبدع تجربة تحمل بصمته الخاصة التى تترجمها أعماله..
عوالم صامتة من العناق واللون، تتحرك المشاعر داخل الفراغ، وتتحدث الأجساد دون كلمات.. هذا ما شاهدته فى معرض «عناق صامت» للفنان فيلوباتير حليم، الذى اختتم منذ أيام بجاليرى سماح بالزمالك، يتجلّى العناق هنا لا بوصفه فعلًا جسديًا مباشرًا، بل كحالة وجدانية مكثفة وصامتة، تتسلل بين الكتل اللونية، وتستقر فى المسافات الفاصلة بين الشخوص، لتؤكد أن الصمت أحيانًا أعظم من الكلام فى التعبير عن الحميمية والاتصال الإنسانى.
شخوصه لا تتعانق، لكنها تتجاور، تتساند، أو تتقاطع نظراتها فى صمت كثيف، وكأن العناق مؤجَّل أو داخلى، لا يحتاج إلى حركة بقدر ما يحتاج إلى إحساس.
يتعزز هذا الإحساس بالعناق المؤجَّل من خلال البناء التكوينى لأعمال حليم، حيث تتحرك الشخوص داخل مساحات محسوبة بدقة، وتبدو العلاقات بينها قائمة على القرب النفسى لا التلامس المباشر، الفراغ هنا ليس مساحة مهملة، بل عنصر فاعل يشارك فى صياغة المعنى، ويمنح الصمت ثقله التعبيرى. كما يفرض الإيقاع العام للعمل حالة من السكون المتأمل، سكون لا يعنى الجمود، بل امتلاء داخليًا يفيض بالمشاعر غير المعلنة، وبهذا يقدّم فيلوباتير تجربة بصرية وإنسانية تُعيد الاعتبار للمشاعر الهادئة، وتؤكد أن أقصى درجات التعبير قد تتحقق حين يختار الفنان أن يقول أقل.. ليجعل الصمت نفسه لغة للإبداع.
حزن رقيق
تقوم تجربة حليم على اختزال واعٍ للشكل، تتحول فيه الأجساد إلى كتل شبه هندسية، أو إلى صيغ أقرب للأجسام المنحوتة، مشغولة بدقة ورشاقة، ومشحونة بطاقة تشكيلية وإنسانية عالية. هذا الاختزال لا يُفقر المعنى، بل يضاعفه ويمنحه بريقًا إضافيًا، إذ يفسح المجال أمام المتلقى للتأمل، ولإعادة بناء المشهد على المستوى النفسى والوجدانى. أما اللون، فلا يُستخدم كعنصر تزيينى، بل كوسيط شعورى فاعل، ألوان دافئة، مشعة أحيانًا ومطفأة أحيانًا أخرى، تحمل طمأنينة مشوبة بحزن رقيق، أو شوقًا هادئًا.
العناق الصامت فى أعماله هو تعبير عن احتياج إنسانى عميق: الأمان، المشاركة، والاعتراف بالآخر. إنه عناق يتجاوز اللحظة، ويقاوم الضجيج، ويؤكد أن أصدق المشاعر قد تُقال دون كلمة واحدة. بهذا المعنى، لا يرسم فيلوباتير حليم مشاهد معتادة، بل ينسج حالات، ويضعنا أمام مرآة داخلية نرى فيها أنفسنا ونحن نبحث عن دفء لا يُرى، لكنه يُحَس.
التاريخ القبطى
الفنان فيلوباتير حليم تخرج فى قسم التصوير بكلية الفنون الجميلة بالأقصر عام 2021، ويعمل حاليًا معيدًا بالكلية، لديه شغف واضح بالتراث المصرى والتاريخ القبطى، حيث شارك فى عدة معارض جماعية، فضلًا عن تنفيذه أيقونات داخل عدد من الكنائس القبطية، وهو ما انعكس على رؤيته التشكيلية وحساسيته البصرية ذات البعد الروحى والإنسانى.
ويأتى هذا كله مصحوبًا بثراء لونى لافت يُعد أحد السمات الجوهرية لتجربته، حيث لا يكتفى اللون فى أعماله بدوره التعبيرى الفردى، بل يدخل فى علاقة تفاعلية حميمة مع بقية العناصر التشكيلية، فكما رصد لنا حالة العناق الصامت بين شخوصه، يتجلّى فى المقابل عناق موازٍ بين الألوان نفسها، عناق يقوم على التقارب والانسجام لا على التصادم أو التنافر.
المغامرة الأولى
ورغم أن هذا المعرض يُعدّ المحطة الأولى للفنان فى سياق المعارض الشخصية، فإن القراءة المتأنية لمجمل الأعمال تكشف عن تجربة تجاوزت منطق البدايات التقليدية، وتدل على مسار فنى تشكّل عبر تراكم معرفى وبصرى واضح.. لا يبدو فيلوباتير هنا كفنان يخوض تجربته الأولى، بل كصاحب رؤية اشتغلت طويلًا على أسئلة الشكل والمعنى، وعلى إعادة صياغة العلاقة بين الجسد والفراغ، وبين الكتلة والصمت. هذا النضج لا يأتى من وفرة الإنتاج بقدر ما ينبع من وعى تشكيلـى مُسبق، ومن قدرة على الاختيار والاقتصاد البصرى، وتجنّب الاستسهال أو التكرار.
كما تتبدّى شخصيته وبصمته الخاصة فى ثبات لغته البصرية، وفى قدرته على الحفاظ على خيط مفاهيمى واحد رغم تنوّع المعالجات والتكوينات، فالأعمال لا تعتمد على الإبهار السطحى، ولا تسعى إلى استعراض تقنى، بل تراهن على بناء داخلى هادئ، وعلى حساسية عالية فى التعامل مع الجسد الإنسانى بوصفه حقلًا دلاليًا مفتوحًا. وبهذا يقدّم حليم تجربة تستند إلى رؤية واعية أكثر من كونها مغامرة أولى، وتؤكد أن المعرض، رغم كونه البداية رسميًا، إلا أنه يمثل ذروة مؤقتة لمسار تشكيلى قيد التبلور، يحمل ملامح فنان يعرف جيدًا ما يريد أن يقوله، وكيف يقوله، ومتى يختار الصمت كأداة تعبير لا تقل قوة عن الحضور.
فاشون| كوليكشن «أميرة» لصيف ٢٠٢٦.. جرأة وبهجة
فاشون| بيوت تحت «الضغط» وصفة لمواجهة «بعبع» الامتحانات
منة شلبى وحمزة العيلى.. محمد سامى ويسرا







