«سياسة بلا منطق».. تناقضات فاضحة في نهج ترامب تجاه فنزويلا

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب - صورة تعبيرية
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب - صورة تعبيرية


مرة جديدة، تجد سياسة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب الخارجية نفسها في مرمى الانتقادات، وهذه المرة بسبب النهج المتناقض الذي تتبعه إدارته تجاه فنزويلا.

فبينما ترفع واشنطن شعارات الأمن القومي ومكافحة المخدرات والدفاع عن الديمقراطية، تكشف الوقائع على أرض الواقع عن فجوة واسعة بين الخطاب والممارسة، وسط قرارات وعمليات تفتقر إلى منطق استراتيجي واضح.

سلطت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، الضوء على هذا الارتباك، معتبرة أن ما يجري في فنزويلا يعكس سياسة تقوم على القوة والتهديد أكثر مما تقوم على حسابات المصالح أو الاستقرار الإقليمي.

اقرأ أيضًا| العالم ناقص واحد.. كيف يدير المجتمع الدولي النظام العالمي في ظل واشنطن المتمردة؟


«مبدأ دونرو».. فكرة بلا أساس

ترى «فورين بوليسي» أن ما يُسوَّق حاليًا تحت اسم «مبدأ دونرو» لا يحمل في جوهره أي مضمون استراتيجي متماسك.

فحتى القراءة المتأنية لـ السياسة الأمريكية تجاه فنزويلا تقود إلى سلسلة من التناقضات الصارخة، تجعل من الصعب تبرير ما أقدمت عليه إدارة ترامب، وعلى رأسه اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة.

وبحسب التحليل، لا يمكن تبرير التحرك الأمريكي بذريعة مكافحة «الإرهاب المرتبط بالمخدرات».

ففنزويلا، ببساطة، ليست مصدرًا رئيسيًا للمخدرات التي تصل إلى الولايات المتحدة، ولا سيما مادة الفنتانيل.

وتزيد المفارقة وضوحًا مع قرار ترامب منح عفو كامل للرئيس الهندوراسي السابق خوان أورلاندو هيرنانديز، رغم إدانته سابقًا في قضية تهريب مخدرات داخل الولايات المتحدة نفسها.

والأكثر لفتًا، أن وزارة العدل الأمريكية أقرت لاحقًا بأن ما عُرف بـ«كارتل لوس سوليس»، الذي حذرت منه إدارة ترامب باعتباره تهديدًا خطيرًا، لم يكن موجودًا من الأساس، ما جعل القصة أقرب إلى دعاية سياسية منها إلى خطر أمني حقيقي، في تكرار لسيناريوهات سابقة حذّرت فيها واشنطن من تهديدات لم تثبت صحتها.


لا تهديد أمني.. ولا خطر استراتيجي

أكدت المجلة، أن اعتقال مادورو لم يكن مرتبطًا بأي تهديد حقيقي للأمن القومي الأمريكي.

ففنزويلا دولة تعاني من ضعف شديد، ولا ترتبط بتحالفات عسكرية استراتيجية مع خصوم واشنطن الكبار.

ولم تكن الصين تبني قواعد عسكرية هناك، ولم تكن إيران تزودها بأسلحة قادرة على تهديد الولايات المتحدة، كما لا تمتلك كاراكاس قوة بحرية تعطل طرق التجارة العالمية.

وبحسب التحليل، لم يكن أحد داخل الولايات المتحدة يشعر بأن أمنه أصبح أكثر استقرارًا بعد احتجاز مادورو، وهو ما يفرغ العملية من أي قيمة ردعية حقيقية.


«الديمقراطية.. خارج الحسابات» والنفط.. «الوهم الأكبر»

أما الحديث عن دعم الديمقراطية، فتصفه «فورين بوليسي» بأنه غير مقنع، فدونالد ترامب نفسه استبعد خيار دعم زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو، وفضّل التعامل مع نائب مادورو، الذي يقود نظامًا لا يختلف كثيرًا في طبيعة سياسته عن النظام السابق، ما يعكس غياب أي التزام فعلي بمسار ديمقراطي حقيقي.

إذا لم تكن المخدرات أو الأمن أو الديمقراطية هي الدافع، فهل النفط هو السبب؟ ترامب يصر على ذلك، متحدثًا عن مكاسب نفطية كبرى ستعود على الولايات المتحدة، غير أن الأرقام، بحسب المجلة، تكشف عكس ذلك.

كما أن ترامب تحدث عن تسليم فنزويلا ما يصل إلى 50 مليون برميل نفط للولايات المتحدة، وهو رقم يبدو ضخمًا، لكنه لا يغطي سوى إنتاج النفط الأمريكي لأربعة أيام فقط.

كما أعلن نيته التحكم في عائدات النفط لدعم الاقتصاد الفنزويلي، وهو ما تشكك المجلة في صدقيته، معتبرة أن العائدات ـــ إن وُجدت ـــ لن تكون كافية لإعادة بناء اقتصاد فنزويلا المنهار.

ورغم أن  فنزويلا صحيح تمتلك أكبر احتياطيات نفط مؤكدة في العالم، لكن طبيعة هذا النفط الخام الثقيل تجعل استخراجه وتكريره عملية معقدة ومكلفة، ومع تهالك البنية التحتية وانخفاض أسعار النفط عالميًا، يصبح تطوير هذه الموارد خيارًا غير جذاب اقتصاديًا، بل قد يؤدي إلى إغراق السوق وخفض الأسعار أكثر، ما يضر بشركات النفط الصخري الأمريكية نفسها.

وأضافت المجلة، أن المشكلة الأعمق تكمن في أن العالم يتجه تدريجيًا بعيدًا عن الاعتماد على الوقود الأحفوري، مع تصاعد الاهتمام بالطاقة النظيفة والتكنولوجيا الخضراء، وفي ظل أزمة تغير المناخ، يصبح ترك جزء كبير من نفط فنزويلا في باطن الأرض خيارًا أكثر عقلانية من استنزافه.

وفي الوقت الذي تركز فيه الصين على الهيمنة على الصناعات الخضراء المستقبلية، تصر إدارة ترامب على سياسات طاقة تقليدية تهدد البيئة وتفقد الولايات المتحدة فرصًا استراتيجية طويلة المدى.

اقرأ أيضًا| حلم السيطرة على النفط يتحول لكابوس.. تحذيرات من خطة ترامب بفنزويلا


الهيمنة بدل الشراكة

وفق «فورين بوليسي»، فإن الهدف الحقيقي الوحيد الذي يمكن رصده هو سعي دونالد ترامب لإعادة فرض الهيمنة الأمريكية على نصف الكرة الغربي، وتحت هذا الإطار، أعادت الإدارة إحياء منطق قريب من «مبدأ مونرو»، ولكن بصيغة أكثر فجاجة تقوم على الإملاء والتهديد بدل التفاهم والشراكة.

فبينما كان الهدف التاريخي لمبدأ مونرو منع تدخل القوى العظمى المنافسة في المنطقة، لا توجد اليوم قوة عالمية تسعى لوجود عسكري مهيمن في نصف الكرة الغربي، ومع ذلك، تتصرف إدارة ترامب وكأن الخطر قائم، مستخدمة هذا المنطق للضغط على جيرانها وإجبارهم على الانصياع لـ السياسات الأمريكية.

وأشارت المجلة، إلى أن واشنطن باتت تطالب بحق التدخل في السياسات الاقتصادية لدول أمريكا اللاتينية، ورفض أي تعاون اقتصادي مع الصين أو قوى أخرى، دون أن تقدم بدائل حقيقية، وبما أن إدارة ترامب تعارض المساعدات الخارجية، فإنها تعتمد على التهديد والعقوبات بدل الحوافز والدعم.

وحذرت المجلة ذاتها، من أن هذا النهج يحمل تكلفة سياسية واقتصادية عالية، إذ ستُحمّل الولايات المتحدة مسؤولية تدهور الأوضاع الاقتصادية في المنطقة، ما سيؤدي إلى تصاعد العداء الشعبي وعدم الاستقرار الإقليمي.

وقارنت «فورين بوليسي» هذا النهج بالسياسات الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية، حين نجحت واشنطن في بناء شراكات قوية في أوروبا وآسيا عبر الدعم وإعادة الإعمار وحسن النية، أما دونالد ترامب، فتصف المجلة رؤيته بأنها تقوم على منطق «الربح الصافي»، حيث لا مكان لفكرة الشراكة طويلة الأمد.

وأشارت المجلة، إلى أن الإيمان المفرط بالقوة، كما يروج له بعض مستشاري ترامب، يقود حتمًا إلى قرارات خاطئة، فالتاريخ، بحسب «فورين بوليسي»، يثبت أن الهيمنة القائمة على الإكراه لا تصنع استقرارًا.. وإنما تفتح الباب أمام مزيد من الفوضى.. وسوء التقدير.

اقرأ أيضًا| خبراء السياسة الخارجية يحذرون من بؤر تهدد الاستقرار العالمي خلال 2026