بينما لم يلتقط العالم أنفاسه بعد من صدمات السنوات الماضية، يبدو أن عام 2026 يقف على حافة مرحلة أكثر تعقيدًا، بعدما لم تغلق الحروب ملفاتها، والأزمات تمددت بدل أن تنحسر، والقوى الدولية تعيد اختبار حدود النفوذ والقانون الدولي.
وفي هذا السياق، حذّر خبراء السياسة الخارجية من أن خريطة التوتر العالمي باتت أكثر تشابكًا، مع تزايد عدد الصراعات المفتوحة أو القابلة للاشتعال، وسط تراجع أدوات الردع التقليدية وتآكل الثقة في النظام الدولي القائم.
وجاء هذا التحذير في تقرير سنوي نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية بالتعاون مع «مجموعة الأزمات الدولية»، التي دقت ناقوس الخطر مبكرًا بشأن مسارات صراعات قد تتحول إلى بؤر تهديد مباشر للاستقرار العالمي خلال عام 2026.
اقرأ أيضًا| كيف يمكن أن يؤدي استيلاء أمريكا على جرينلاند لتقويض حلف الناتو؟
تقرير سنوي يرصد أخطر بؤر التوتر
تنشر مجلة «فورين بوليسي» سنويًا تقريرًا تحليليًا بعنوان «صراعات تستحق المتابعة»، بالشراكة مع مجموعة الأزمات الدولية، وهي مؤسسة مستقلة متخصصة في رصد النزاعات والتحذير من مخاطر اندلاع الحروب.
ليستعرض تقرير هذا العام مجموعة من بؤر التوتر المعروفة، على رأسها الصراع بين إسرائيل وفلسطين، والحرب في أوكرانيا، والأزمة المتفاقمة في السودان، إلى جانب صراعات أقل حضورًا في الإعلام الدولي مثل بوركينا فاسو، وإريتريا، وميانمار، لكنها لا تقل خطورة من حيث التأثير الإقليمي والإنساني.
فنزويلا في صدارة المشهد.. «تحوّل مفاجئ وأسئلة مفتوحة»
في أحدث حلقات برنامج «فورين بوليسي لايف»، ناقش رئيس تحرير المجلة رافي أجراوال، مع كومفورت إيرو، الرئيسة التنفيذية لمجموعة الأزمات الدولية وأحد المشاركين في إعداد التقرير، التطورات المتسارعة في فنزويلا، عقب قيام الولايات المتحدة بالقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته في 3 يناير/كانون الثاني ونقلهما إلى نيويورك.
ولا تتعلق هذه الخطوة الأمريكية التي أثارت موجة واسعة من التساؤلات، فقط بمستقبل فنزويلا، وإنما أيضًا بشرعية العملية، وحدود القانون الدولي، ودور واشنطن في إعادة تشكيل الأنظمة السياسية في محيطها الإقليمي.
ما بعد إبعاد مادورو
أوضحت كومفورت إيرو، أن العملية الأمريكية نُفذت بسرعة ودقة، لكن ما حدث لا يُعد تغييرًا كاملًا للنظام، إذ لا تزال حكومة تشافيزية قائمة في كاراكاس، مع تولي نائبة مادورو، ديلسي رودريجيز، منصب الرئيسة المؤقتة.
وأضافت أن اللغة التي استخدمتها واشنطن كانت مقصودة، لتعكس تعاملها مع مادورو باعتباره زعيمًا غير شرعي، لا تعترف بفوزه في انتخابات فنزويلا 2024، وهو تقييم يحظى بإجماع دولي واسع.
في المقابل، شهدت البلاد إعلان حالة الطوارئ وتصاعد إجراءات أمنية، في وقت يحاول فيه الفنزويليون التكيف مع واقع سياسي جديد، وسط مشاعر مختلطة بين الارتياح لرحيل مادورو والقلق من طريقة إزاحته.
أسئلة بلا إجابات: من يدير فنزويلا الآن؟
طرحت إيرو، تساؤلات جوهرية حول مستقبل الحكم في البلاد، خاصة بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن «إدارة» فنزويلا.
وقالت إن الغموض لا يزال يلف مصير بقية أركان النظام، وما إذا كانت واشنطن تسعى إلى حكومة متوافقة مع توجهاتها، أم أنها بصدد إعادة صياغة المشهد السياسي بالكامل.
اقرأ أيضًا| ترامب يُرسي سابقة مدمرة في فنزويلا.. هل تواجه أوروبا وآسيا تهديدا مماثلا؟
هل تآكل النظام الدولي وراء تصاعد الصراعات؟
بالانتقال إلى الصورة الأوسع، أوضحت كومفورت إيرو أن العالم يمر بمرحلة تراجع حاد في فاعلية الضمانات الدولية، وعلى رأسها مجلس الأمن، إلى جانب تراجع شرعية ونفوذ قوى كبرى كانت تلعب دورًا ضابطًا للتوازن العالمي.
وأشارت إلى أن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، قبل بدأ الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير عام 2022، أرسل إشارات إلى قوى دولية وإقليمية بأن كلفة التحرك العسكري قد تكون أقل مما كان يُعتقد.
وفي هذا الصدد، أعادت تطورات فنزويلا فتح نقاش واسع حول مستقبل القواعد الدولية.
وبينما يرى البعض أن واشنطن لطالما انتقت القواعد التي تناسب مصالحها، يرى آخرون أن شخصية ترامب ورؤيته القائمة على منطق القوة تمثل عاملًا مضاعفًا لهذا التآكل.
واستشهدت إيرو، بتصريحات مستشار ترامب، ستيفن ميلر، الذي اعتبر أن «المجاملات الدولية» لم تعد ذات قيمة، في إشارة واضحة إلى تراجع الالتزام بالأعراف الدولية، لصالح منطق النفوذ والسيطرة.
السودان وسوريا وإسرائيل وغزة.. أزمة إنسانية بلا أفق سياسي
وصف التقرير الوضع في السودان بأنه أحد أخطر الأزمات الإنسانية عالميًا، حيث يعاني ملايين النازحين من انعدام الأمن الغذائي، وسط صراع مستمر.
أما سوريا، فرغم انتهاء القتال الواسع في البلاد بعد الإطاحة بالرئيس السوري السابق، بشار الأسد، لا يزال الوضع هشًا بسبب تحديات داخلية تتعلق بالحوكمة والتنوع المجتمعي والأمن.
وفي غزة، فرغم استمرار وقف إطلاق النار، يبقى المستقبل غامضًا، مع تصاعد التوتر في الضفة الغربية، وتعثر الانتقال نحو تسوية سياسية أكثر استدامة.
2026.. عام الأسئلة الكبرى
اختُتم النقاش بالتأكيد على أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيظل عاملًا مؤثرًا في مسار الصراعات العالمية، بين رغبته في الظهور كصانع سلام، واعتماده في الوقت ذاته على استعراض القوة وتحقيق «انتصارات سريعة».
ويرى خبراء السياسة الخارجية أن عام 2026 سيحمل اختبارات حاسمة لمصداقية التحالفات الدولية، ومستقبل القانون الدولي، وقدرة العالم على احتواء صراعات باتت أكثر تداخلًا وأقل قابلية للتنبؤ.
اقرأ أيضًا| أمريكا غير المتوقعة.. كيف يتعلم العالم إدارة علاقته مع ترامب؟

الولايات المتحدة تُعلن اتفاق إسرائيل ولبنان على وقف إطلاق نار
مجلس النواب الأمريكي يدعم قرارًا يحد من صلاحيات ترامب بشأن حرب إيران
أمير قطر وترامب يبحثان خفض التصعيد وأمن الملاحة في الشرق الأوسط







