في سابقة لم تكن واردة حتى في أسوأ سيناريوهات الحرب الباردة، عاد شبح الانقسام ليُخيم على حلف شمال الأطلسي "الناتو"، لكن هذه المرة من داخله، لا من خارجه.
فمع تجدد الطموحات الأمريكية للسيطرة على جرينلاند، الإقليم التابع للدنمارك والعضو في الناتو، يجد الحلف العسكري نفسه أمام سؤال وجودي غير مسبوق «ماذا لو انقلب أحد أعضائه على عضو آخر؟».
سؤال لم تُجب عنه معاهدة الناتو صراحة، ولم يكن أحد يتخيل أن يُطرح بجدية بعد 76 عامًا من تأسيس تحالف قام أساسًا على فكرة الردع المشترك والحماية المتبادلة.
لكن تصريحات أمريكية متتالية، وتحركات سياسية وعسكرية، أعادت هذا الاحتمال "غير القابل للتصور" إلى دائرة النقاش، مهددة بتقويض مصداقية الحلف في لحظة دولية شديدة الحساسية.
معضلة قانونية داخل الناتو.. ماذا لو هاجم عضوٌ عضوًا آخر؟
أشارت صحيفة «الجارديان» البريطانية، إلى أن فكرة هجوم دولة من دول الناتو على دولة أخرى داخل التحالف ــ مثل احتمال استيلاء الولايات المتحدة على جرينلاند ــ تُعد حالة شاذة إلى حد أن معاهدة تأسيس الحلف لم تتضمن أي نص واضح للتعامل معها.
فالمادة الخامسة، الأكثر شهرة في معاهدة الناتو، تنص على أن أي هجوم مسلح على دولة أو أكثر من الأعضاء في أوروبا أو أمريكا الشمالية يُعد هجومًا على الجميع.
لكن هذه الصياغة تفترض ضمنيًا أن التهديد يأتي من خارج الحلف، لا من داخله، ما يخلق فراغًا قانونيًا خطيرًا إذا كان المعتدي هو أقوى أعضاء التحالف (الولايات المتحدة).
المادة الخامسة تحت الاختبار
لطالما كانت المادة الخامسة حجر الأساس في فلسفة الناتو، خاصة في مواجهة التهديد الروسي.
لكن تطبيقها يصبح بالغ التعقيد عندما يكون مصدر التهديد هو الولايات المتحدة نفسها، التي تمتلك القدرات العسكرية الأكبر داخل الحلف.
ويضع هذا السيناريو باقي الدول الأعضاء أمام معضلة غير مسبوقة، بشأن هل يُفعل مبدأ الدفاع الجماعي ضد واشنطن؟ أم يتم تجاهل الانتهاك حفاظًا على بقاء الحلف شكليًا؟
الدنمارك تحذر: «إذا هاجمت أمريكا حليفًا.. كل شيء سينهار»
في تعليق شديد اللهجة، قالت رئيسة وزراء الدنمارك، ميتي فريدريكسن، يوم الاثنين: «إذا اختارت الولايات المتحدة مهاجمة دولة أخرى من دول الناتو، فسيتوقف كل شيء».
وأضافت أن التحالف قد يستمر اسميًا، لكن فعاليته ومصداقيته ستصبحان موضع شك جوهري.
وترى «الجارديان» أن المستفيد الأكبر من هذا الانهيار المعنوي سيكون موسكو، التي تراقب التصدعات داخل المعسكر الغربي عن كثب.
ترامب والناتو.. تاريخ من الشك والتهديد
خلال الحملة الانتخابية لعام 2024، صعّد دونالد ترامب من لهجته تجاه حلف الناتو، معلنًا أنه لن يحمي الدول التي وصفها بـ«المتخلفة عن الوفاء بالتزاماتها»، في إشارة إلى عدم إنفاقها 2% من ناتجها المحلي على الدفاع.
وفي فبراير/شباط، زاد وزير دفاعه الأمريكي، بيت هيجسيث، من حدة القلق الأوروبي حين أكد أن الولايات المتحدة لم تعد «تركز بشكل أساسي» على الدفاع عن أوروبا، ما أعاد إلى الواجهة تساؤلات قديمة حول مدى التزام واشنطن بأمن القارة.
«قمة الناتو».. تهدئة مؤقتة أم ترميم شكلي؟
رغم حالة القلق، شهدت الفترة التي سبقت قمة الناتو في يونيو جهودًا دبلوماسية مكثفة لاحتواء الأزمة.
وأسهمت تصريحات الأمين العام للحلف، مارك روته، التي اتسمت بالمجاملة الشديدة تجاه ترامب، في تهدئة الأجواء مؤقتًا.
وبالفعل، وافق حلفاء الناتو ــ باستثناء إسبانيا ــ على رفع الإنفاق الدفاعي إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، غير أن محللين يرون أن هذا التوافق أخفى الخلافات بدلًا من حلها.
تشاتام هاوس: استراتيجية غير قابلة للاستمرار
تقول ماريون مسمر، مديرة مركز تشاتام هاوس للأبحاث: «نعم، سارت القمة على ما يرام لأن روته وجد صيغًا تُرضي ترامب، لكنني لست متأكدة من مدى استدامة هذه الاستراتيجية».
وترى أن الاعتماد على التهدئة الشخصية مع الإدارة الأمريكية لا يعالج جوهر الأزمة، بل يؤجل انفجارها.
أوكرانيا.. مثال حي على الارتباك الأطلسي
شهدت العلاقات عبر الأطلسي أشهرًا من عدم اليقين بسبب أوكرانيا، بعد محاولتين أمريكيتين فاشلتين للضغط على كييف للتنازل عن مزيد من الأراضي مقابل التفكير في وقف إطلاق النار (في سياق الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة نحو أربعة أعوام)، سواء بعد قمة ألاسكا أو عبر تبني خطة روسية من 28 نقطة.
وعززت هذه الوقائع المخاوف الأوروبية من أن واشنطن قد تعيد ترتيب أولوياتها الاستراتيجية على حساب حلفائها.
تحذير أمريكي صادم
زادت استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الصادرة في ديسمبر/كانون الأول، من حدة التوتر حين حذرت من أن أوروبا تواجه «محوا حضاريا»، مشيرة إلى أن بعض دول الناتو ستصبح خلال عقود ذات أغلبية «غير أوروبية».
وتساءلت الوثيقة، بنبرة مثيرة للجدل، عما إذا كانت هذه الدول ستنظر إلى تحالفها مع الولايات المتحدة بالطريقة نفسها التي نظرت بها الدول المؤسسة للناتو عام 1949.
جرينلاند في قلب العاصفة
في هذا السياق المشحون، أعادت الولايات المتحدة طرح طموحاتها الإقليمية في جزيرة جرينلاند، خاصة بعد القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
وأشارت «الجارديان»، إلى أن هذه الرغبة وضعت الناتو نفسه تحت المجهر، إذ تتحدى واشنطن بشكل صريح السيادة التاريخية للدنمارك، وهي حليف أطلسي.
من جانب آخر، لا يتوقع أي مراقب عسكري أن يدافع أحد من أعضاء الناتو الـ31 الآخرين عن جزيرة جرينلاند إذا قررت الولايات المتحدة الاستيلاء عليها.
وهو ما أكده مستشار ترامب، ستيفن ميلر، حين قال إن العالم الحقيقي «تحكمه القوة، لا المعاهدات».
وتكشف الأرقام الفجوة الهائلة في القدرات كالتالي:-
الولايات المتحدة: 1.3 مليون جندي في الخدمة الفعلية، والدنمارك: 13,100 جندي فقط، بينما إنفاق الدفاع الأمريكي المتوقع في 2025: 845 مليار دولار، وإنفاق باقي دول الناتو مجتمعة: 559 مليار دولار.
هل يمكن طرد أمريكا من الناتو؟
من الناحية القانونية، لا يوجد نص في معاهدة الناتو يسمح بطرد أي دولة عضو، ورغم أن ديباجة المعاهدة تتحدث عن «العيش بسلام» و«حماية الحضارة المشتركة»، فإن هذه الصياغات كانت موجهة تاريخيًا ضد احتمال انحراف أيديولوجي خلال الحرب الباردة، لا ضد هجوم عسكري داخلي.
ورغم غياب آلية قانونية للطرد، فإن انقلاب عضو على آخر ــ حتى لو كان على أرض يبلغ عدد سكانها أقل من 60 ألف نسمة ــ من شأنه أن يقوض مصداقية الناتو جذريًا.
وترى مسمر، أن التهديدات الأخيرة ألحقت ضررًا بالغًا بالحلف في توقيت بالغ الخطورة، قائلة: «إذا كانت أي دولة أوروبية لا تزال تعتقد أنها تستطيع الاعتماد على الضمانات الأمنية الأمريكية، فهذا جرس إنذار... نحن لن نعود إلى ذلك العالم».

بعد اتفاق إسرائيل ولبنان على وقف إطلاق النار.. تطورات الوضع «الأمريكي - الإيراني»
الولايات المتحدة تُعلن اتفاق إسرائيل ولبنان على وقف إطلاق نار
مجلس النواب الأمريكي يدعم قرارًا يحد من صلاحيات ترامب بشأن حرب إيران







