لا أنسى أبداً الفتوى التى أطلقها احد أئمة الإخوان «يوسف القرضاوي» أثناء حكم الجماعة الإرهابية، والتى جاءت فى لحظة فارقة من تاريخ مصر، لتصب الزيت على نار الفتنة، وتفتح أبواب الدم على مصراعيها، حين أباح ما سماه «الجهاد» ضد ما سماهم العلمانيون، مخاطباً الإرهابيين بعبارات صادمة وقال: «اقتلوهم أينما وجدتموهم»، ومؤكداً أن من يفجر نفسه شهيد فى سبيل الله، وكانت كلماته كفيلة بإشعال حرب أهلية، وبتحويل الخلاف السياسى إلى اقتتال دموى يهدد كيان الدولة ذاتها.
فى تلك الأيام العصيبة، كانت مصر كلها تقف على حافة الهاوية، مُهددة بالانقسام والخراب لولا أن حفظها الله، ونجت من هذا المخطط الأسود، وعاشت ودُفنت تلك الفتاوى فى مقابر الخيانة، بعدما انكشف زيفها وسقطت أقنعتها، ولم ولن تفتح ذراعيها مرة أخرى لمتطرفين جاءوا وقتها من الخارج، ممتطين منابر الدين متسترين بشعاراتٍ زائفة، بينما عقولهم مُحملة بأفكار الخراب، وقلوبهم لا تعرف إلا الكراهية.
كان هؤلاء يفضلون دائماً مصر الضعيفة المُنهكة، لأنها البيئة المناسبة للمتاجرة بالأوجاع، واستثمار الفقر واليأس، أما مصر القوية المتعافية المرفوعة الرأس، فلم تكن يوماً فى حساباتهم، وهدفهم لم يكن بناء وطن، بل غسل عقول الشباب، ودفعهم إلى ارتداء أحزمة الديناميت، بدلاً من أن يحملوا رايات العلم، ويكونوا مهندسين وأطباء ومعلمين، يزرعون الخير أينما حلوا، وينفعون أهلهم وبلادهم.
والمفارقة الصارخة أن هؤلاء المتاجرين بدماء الفقراء، يرسلون أبناءهم إلى الغرب، ليتعلموا فى أرقى جامعاتها ويتزوجون أجنبيات، ويعملوا فى البنوك ويمتلكوا الشركات، أما أبناء البسطاء فهم وقود المعارك الوهمية، وحطب الجهاد الزائف، والدماء التى تتحول إلى أرقام فى حسابات بنكية بالخارج.
بعد أحداث يناير، كان المصريون شهود عيان على واحدة من أخطر المؤامرات التى تعرضت لها البلاد فى تاريخها الحديث، مؤامرة استهدفت نزع هوية مصر، وطمس تاريخها وحضارتها، واستبدالها بدولة المرشد وميليشياته وقوانينه الإقصائية، وكان الشعب كله شريكاً فى استرداد وطنه، وانتزاعه من أنياب التطرف، ليؤكد أن مصر لا تكون إلا دولة تسامح ومحبة وتعايش، تحتضن الجميع، وترفض العنف والقتل والإقصاء.
لم تتعلم الجماعة الإرهابية من دروس التاريخ، الذى يفضح الكذابين ويكتب نهاياتهم السوداء، ولم تستفد من تاريخها الدموى مع النظام السياسى منذ تأسيسها عام ١٩٢٧حيث اعتادت التحالف مع كل أنظمة الحكم ثم الانقلاب، دون رؤية أو برنامج، معتمدة فقط على استغلال الأزمات وبث الشائعات وتأليب الناس على أوطانهم.
وجاءت ثورة ٣٠ يونيو لتكون لحظة استعادة الأمل وعودة الروح، حين قال المصريون كلمتهم، واختاروا الدولة الوطنية والجيش والمؤسسات، فى مواجهة الفوضى والظلام.. كانت إعلاناً واضحاً بأن هذا الوطن أقوى من كل مؤامرة، وأبقى من كل فكر متطرف.

شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»
التعامل مع البنوك بالتليفون ممنوع







