قلب مفتوح

النفايات الرقمية وسمعة مصر

هشام عطية
هشام عطية


تسعى كل دولة إلى صياغة صورتها أمام العالم بما يفرض لها الاحترام والهيبة بين الدول، ويغرس فى نفوس مواطنيها شعورًا بالفخر بالانتماء إليها، حتى تغدو خانة الجنسية فى جواز السفر وسامًا معنويًا لا مجرد بيانات شخصية.

بعض الدول التى تفتقر إلى التاريخ والمقومات، تميل أحيانًا إلى تضخيم ذاتها وصناعة صورة أكبر من واقعها.

المفارقة المحزنة أن ما يجرى فى مصر يسير فى الاتجاه المعاكس تمامًا. فمنذ انفتحت «بلاعات» السوشيال ميديا، تعمد نفر من أبنائها إلى تصدير صور مشوهة عنها، ويزداد قسوة المشهد مع صمت حكومى مريب. وكأن هذه الحشرات الرقمية الشاذة تعبث بسمعة وطن آخر غير مصر، التى من المفترض أن تكون حمايتها وصون صورتها وإبراز ما فيها من حضارة وجمال، أهم وظائف الحكومة وشرط استمرارها. تنتابنى مشاعر الحزن والخزى وأنا أرى الحملات الإلكترونية التى تستهدف سمعة مصر فى الفضاء الافتراضي، وتشنها أياد مصرية! ويقتحمنى سؤال مقلق: أى صورة تترسخ عنا فى عقل مواطن عربى وهو يشاهد مهازل ما سمى «فرح كروان مشاكل» وما احتواه من تحرش وسفالة وممارسات مشينة؟

من يقنع كل من شاهد هذه المهزلة أن هؤلاء ليسوا هم المصريين، وأن المصريين الحقيقيين مشغولون بإنشاء دلتا جديدة تزيد على مليونى فدان فى الصحراء، وبناء عاصمة جديدة وشبكات كهرباء وطرق ومواصلات عالمية؟

وكيف ترى عيون المواطن الأجنبى مصر وهو يواجه على منصات التواصل زخمًا يوميًا من مشاهد البلطجة والعنف وأخبار اغتصاب الأطفال فى مدارس «إنترناشونال» التى تتصدر المحتوى؟ وما هى الصورة الذهنية التى تتشكل لديه وهو يطلع على أخبار تمس الأمان الاجتماعى والسمعة الوطنية؟

هذه الظواهر الدخيلة على المجتمع المصرى تمتد تداعياتها الكارثية لركائز أساسية للدولة.

من المؤكد أن قوتنا الناعمة أكثر المتضررين من أفعال هذه النفايات الرقمية؛ حيث تشوه هذه الصور المقززة الوجه الحضارى لمصر، فتستبدل الإبداع والفنون بالفوضى والعنف، ما يضعف تأثيرها الثقافى وجاذبيتها التاريخية.

على الجانب الاقتصادى تهتز ثقة المستثمرين والسياح، وتتراجع فرص جذب الاستثمارات الأجنبية، وتتأثر عوائد السياحة بوصفها شريانًا حيويًا للاقتصاد الوطني. صيانة السمعة الرقمية لم تعد ترفًا إعلاميًا، بل عنصرًا من عناصر الأمن القومى وركنًا من أركان السيادة الوطنية.
بات الآن حماية سمعتنا الرقمية قضية أمن قومي، وذلك عبر استراتيجيات واضحة تبدأ بالرصد الذكى والمستمر للمحتوى باستخدام أدوات متخصصة، والتعامل الاستباقى والمهنى مع المحتوى الفاسد لهذه النفايات الرقمية بحلول قانونية صارمة، مع تعزيز المحتوى الإيجابى عبر إبراز مبادرات التنمية مثل «حياة كريمة» و«رواد مصر الرقمية» وغيرها، والتعاون مع مؤثرين واعين لإعادة تقديم الصورة الحضارية التى تعكس حقيقة مصر وشعبها ويكفيها شرور مهازل «كروان» أشكاله.