نحن والعالم

الثور الأبيض

ريهاب عبدالوهاب
ريهاب عبدالوهاب


فى القصص التاريخى عندما سمح الثوران الأحمر والأسود للأسد بافتراس الثور الأبيض لإشباع جوعه وتجنيب نفسيهما القتال معه، فتحا الباب لافتراسهما واحداً تلو الآخر، لتخرج لنا الحكمة الشهيرة «أُكِلنا يومَ أُكِل الثورُ الأبيض» التى تتحدث عن التكاتف وعواقب التخلى عن الآخرين.

استدعيت هذه الحكمة وأنا أرى الصمت الغربى على اختطاف واعتقال الرئيس الفنزويلى مادورو من قصره لمحاكمته فى نيويورك!. حيث وقف العالم الغربى متفرجاً، ظانّاً أن «الثور الفنزويلى» استثناء يفرضه الأمن القومى الأمريكى بعدما بررت واشنطن ما فعلته «بمكافحة المخدرات»، فى سابقة خطيرة تحول الجرائم الجنائية لمبرراتٍ لشن حروب سيادية.

لكن المفاجأة أنه بعد 24 ساعة من سقوط مادورو، صرح ترامب بأن جزيرة «جرين لاند» «التابعة للدنمارك» ضرورية لأمن أمريكا القومى»، ليعقبها تغريدة «قريباً» لمسئولة أمريكية سابقة فوق خريطة الجزيرة مُغطاة بالعلم الأمريكى، ثم تصريح مساعد ترامب بأن جرينلاند تنتمى لأمريكا ويمكنها الاستيلاء عليها بالقوة إذا أرادت.

أى أن نفس الذريعة التى تم توظيفها فى فنزويلا باتت تهدد دولة عضواً فى الاتحاد الأوروبى، وذلك بعدما شرّع السكوت عن التجاوز فى كاراكاس الأبواب أمام سيناريوهاتٍ مشابهة فى الفناء الأوروبى، وبعدما جعل قبول مبدأ أن «الاحتياج الأمنى» يبرر الاستيلاء على الأراضى، من جرين لاند بمواردها وموقعها الاستراتيجى هدفاً مشروعاً وفق العقيدة الأمريكية الجديدة.».

ولأن الصمت الأوروبى لم يكن مجرد «تأييد ضمنى»، ولكن تأبين صريح لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولى، بات من الصعب الآن الاحتجاج بـ «القانون الدولى» لحماية جرين لاند. فالعالم الذى لم يهتز لاختطاف رئيس دولة، لن يهتز لضم جزيرة بدعوى «حمايتها من السفن الروسية والصينية».

والغرب، بصمته على ما حدث فى فنزويلا، منح واشنطن «صكاً مفتوحاً» لإعادة رسم خرائط العالم وفق منطق القوة. ولأن التاريخ يعلمنا أن «الأسد» لا يشبع بافتراس ضحية واحدة، فإنه فى حال استمر هذا الصمت، قد لا يجد القادة الأوروبيون غداً من يدافع عن سيادتهم حين يصرخون: «أُكلنا يوم أُكل الثور الفنزويلى».