فى بلاد تتغنّى بحرية التعبير، يصبح الصوت الخارج عن السرب هدفاً للمتربصين بكل ما هو إسلامي، الإعلامى الأمريكى الشهير «تاكر كارلسون» وجد نفسه فى مرمى النيران لا لأنه حرّض أو كذب، بل لأنه تجرأ على كسر الصورة النمطية، وأعلنها صراحة، «الإسلام ليس هو الخطر.. بل الانتحار والإدمان وتفكك المجتمع الأمريكى»، كلمات جاءت بالطبع صادمة لتيار سياسى وإعلامى اعتاد أن يقدّم «التطرف الإسلامي» كفزّاعة جاهزة، ففى الولايات المتحدة، التى تزعم أنها معقل حرية التعبير وأرض الديمقراطية، أثارت تصريحات تاكر كارلسون عاصفة سياسية وإعلامية غير مسبوقة، بعدما تحدّث بشكل صريح عن الإسلام بشيء من الموضوعية، متهمًا الحكومات ووسائل الإعلام بالترويج لصورة الخطر الإسلامى حتى تلهى شعوبها عن المشاكل الحقيقية.
أثارت تصريحات الرجل ضجة هائلة وسارعت المنابر التى طالما تشدقت بحرية التعبير وحماية حق إبداء الرأى، تطالب بإسكاته، لتتضح المفارقة الصارخة، حيث حرية الرأى عند هؤلاء تتوقف حين تقول ما لا يعجبهم!، كارلسون لم يدافع عن الدين الإسلامى بقدر ما فضح هشاشة المجتمع، وتلاعب المؤسسات بالأولويات، وفى زمن تتقاطع فيه السياسة مع الإعلام، تظهر جليا حقيقة أن حرية التعبير فى الولايات المتحدة قاصرة فقط على من يردّد الرواية الرسمية.
فى مقابلة مع مجلةThe America Conservative ، انتقد كارلسون السرد السائد فى الإعلام والسياسة الأمريكية الذى يصوّر « التطرف الإسلامي» كأهم تهديد يواجه الولايات المتحدة، وقال حرفيًا إنه لا يعرف أى أمريكى قُتل على يد الإسلام المتطرف خلال السنوات الـ24 الماضية ، معتبرًا أن الخطر الحقيقى يكمن فى الانتحار والإدمان، وتفكّك المجتمع الأمريكي.
كارلسون الذى اشتهر كأحد أبرز المعلّقين اليمينيين على الساحة السياسية، ورغم خلفيته المحافظة، ذهب أبعد من هذا عندما اتهم بعض التيارات داخل الحكومة الأمريكية بأنها تستخدم « تهديد الإسلام المتطرف» كأداة لتعزيز تحالفات سياسية أو لدعم أجندات خارجية.
تصريحات كارلسون أثارت نقاشًا جوهريًا حول مدى صدق الولايات المتحدة فى تبنيها حرية التعبير، فمن جهة، تعتبر حرية التعبير إحدى القيم الأساسية للدستور الأمريكي، وتبنى الإعلام والسياسة تلك القيمة كركن أساسى فى المنظومة الديمقراطية، ومن جهة أخرى، حين يتعلق الأمر بنقد خطاب شائع واتهام مؤثرين سياسيين أو إعلاميين بترويج روايات راسخة عن التهديدات الأمنية، يجد كارلسون نفسه فى مرمى الانتقاد العنيف، ومن قِبل أوساط سياسية تعتبر هذه التصريحات إساءة لجهود مكافحة الإرهاب وبناء تحالفات دفاعية.
هذا التناقض يعكس ازدواج المعايير فى الخطاب الأمريكي، فالحرية فى التعبير مطلوبة دائمًا حين تدعم السرد السائد، لكنها تبدو «مهدّدة» حين تتصادم مع مصالح سياسية أو اقتصادية قائمة، وهنا يطرح هذا السؤال نفسه، هل حرية التعبير الأمريكية تشمل أيضًا نقد الحساسيات المرتبطة بالدين والثقافة، أم أن هناك حدودًا غير معلنة؟
تصريحات كارلسون لم تقتصر على التقليل من خطورة ما يدعيه غالبية الغرب عن ارتباط الإسلام بالتطرف فحسب، بل امتدّت إلى التقليل من جدوى الربط بين الإسلام كدين وخطر أمنى مباشر، معتبرًا أن الإعلام الأمريكى والحكومة وبدلا من معالجة أزمات داخلية حقيقية مثل ارتفاع معدلات الانتحار، وتفشى الإدمان وتفكك الأسرة والمجتمع، تجدهم يخلقون تهديدات خارجية وهمية لا تتماشى مع الواقع.
تصريح كارلسون لم يأتِ من فراغ، بل فى سياق خطاب مضاد للسياسات الخارجية الأمريكية، يشير إلى أن البلاد تُرهق نفسها فى حروب وتدخلات ليست فى مصلحة أغلبية المواطنين، بينما تتفاقم مشكلات اجتماعية حقيقية داخل أرضها وهو خطاب طالما ركّز عليه كارلسون فى السنوات الماضية منذ استقالته من فوكس نيوز وتحوّله إلى منصة مستقلة.
ردود الفعل على تصريحات كارلسون كانت سريعة ومثيرة للجدل داخل صفوف الحزب الجمهورى نفسه، حيث انتقده جماعات ومعلقون يمينيون بارزون معتبرين كلامه تقليلًا من شأن التهديد الإسلامى وابتعادًا عن المواقف التقليدية للحزب تجاه الأمن القومي، ومن جهة أخرى، دافعت شخصيات يمينية انعزالية عنه، مستشهدين بانتقاده للتورط الخارجى الأمريكى واعتباره أن المشكلة الأساسية فى الداخل لا تتعلق بخطر خارجى بقدر ما تتعلق بتآكل بنية المجتمع الأمريكى نفسه، هذا الانقسام يعكس حالة شرخ أعمق داخل حركة « لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا» (MAGA) بين جناح يدعم السياسات التقليدية الخارجية وآخر يرى أن البلاد يجب أن تتراجع عن دورها العالمى لحل مشكلاتها الداخلية، كما رأت قوى سياسية عدة، فى كلام كارلسون إنكارًا لوقائع موثقة فى تقارير وتحليلات استخباراتية تتعلق بالعنف والتطرف، وترويجًا لمواقف يمكن أن يتم استغلالها لإضعاف التضامن الدولى فى مواجهة الإرهاب.
«سيلفى الحج»| علماء: جائز ما لم يشغل عن العبادة
العبادة ليست موسمًا عابرًا| العلماء: الثبات على الطاعة علامة صدق الإيمان
خواطر الشعراوى| فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ







