أصل الأنواع.. جسد كمدينة تطل على نهر!

أصل الأنواع
أصل الأنواع


دينا شحاتة

من أجمل ما قرأت هذا العام، رواية «  أصل الأنواع» للكاتب أحمد عبد اللطيف، الصادرة عن منشورات حياة، فالرواية من الأعمال الأدبية البديعة، تُقرأ على أكثر من طبقة بأكثر من دلالة ومعنى، فنجد الرواية تفكك علاقة المدينة بالفرد، وارتباط ذلك بنظرية التطور لداروين كامتداد لتلك النظرية، رام بطل الرواية مهندس مدنى، يخطط الشوارع والطرق، يرسمها فى أوراق بيضاء، يرسم عليها المارة فى الشوارع، والملابس المنشورة فى شرفات البنايات المطلة على حديقة النهر، دون أن يفكر بمن يسكنها، وبالقدر نفسه، لم يكن يفكر فى أعضاء جسده الداخلية، ظن أن كل ما هو داخلى هو غير موجود، وفى الاستعارات المتبادلة لوصف جسده بالمدينة والمدينة بجسده، كان يرى أنه كمدينة تطل على نهر، وكان يرى أن المدينة لتكون مدينة يجب أن تطل على نهر، وفى الجسد نهر هو الرحم هو مكمن المرأة ، وهو بوابة الخروج إلى الحياة، والمقابر أيضاً يجب أن تكون نهر لأن كل حياة تنتهى إلى المقابر.

وبين معضلته فى هدم مقابر يراها كنهر المدينة، فهو بذلك يفقد عالمه الداخلى والخارجى، فيفقد المعنى ويفقد معه هويته فيتحول شكله كنهر جف ماؤه فسقط عنه الشعر والأصابع والرغبة. بذلك انتهاء المدينة بشكلها المعروف يعنى انتهاء قاطنيها معها.

كما أن المتأمل فى لغة تلك الرواية التى غابت عنها علامات الترقيم، يجدها سلسلة رائقة كماء نهر، حتى لا تكاد تنفصل عن مراحل تطور أبطال الرواية، قد جاء تقسيم فصول الرواية طبقًا للأبجدية العربية القديمة « أبجد هوز حطى كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ».

ثم تحول التقسيم إلى أرقام مع فقدان أبطال الرواية للأصابع والشعر والرغبة الجنسية، بالتزامن مع ذلك التقسيم لفصول الرواية، يرادفه تقسيم لأسبوع الآلام، بداية من أحد الزعف حتى أحد القيامة، تقسيم مع توحده مع مضمون الرواية شكلاً ومعنى فإنه يمثل أيضًا هوية القاهرة، إن العرب عُرفوا باستخدام حساب الجُمل قبل الإسلام واستمروا فيه لما بعده، بل استخدموه فى تأريخ بناء الأبنية، مثلاً إن كان هناك مسجد بنُى عام١٢٥٠ هجرياً، يصمم المهندس أو الشاعر جملة تتوافق مع تاريخ بناء المسجد وفقًا لحساب الجمل.

ونرى ما فى ذلك من دلالة فى المقابر الأثرية الإسلامية فى القاهرة. لذا وكأن الرواية التى تنتهى فصولها برقم وأحد القيامة، الذى غرقت فيه المدينة القديمة وصُلب فيها رام الذى يحمل جوامعها ومقابرها فى عينيه. هى دلالة كبرى عن مدينة جديدة/ قاهرة جديدة لا نعرفها.