رؤى

الشكر.. لغة الرجاء فى عالم لا يهدأ

الدكتور القس أندريه زكى   رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر
الدكتور القس أندريه زكى رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر


فى مطلع عام جديد، تختلط المشاعر، فالبعض يضع قائمة بأمنياته، ويرسم خططًا لتحقيقها، والبعض يشعر بالخوف مما تحمله له الأيام القادمة، وبين هذه المشاعر المختلطة، يبرز سؤال جوهرى: بأى قلب أو توجه ندخل العام الجديد؟ هل نحمل معنا أثقال العام الماضى، أم نتقدّم بخطى شاكرة، واثقين بمشيئة الله؟ هنا تكتسب كلمات الرسول بولس فى رسالته الأولى إلى تسالونيكى معناها المتجدّد، إذ يقول: «اِفْرَحُوا كُلَّ حِينٍ. صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ. اشْكُرُوا فِى كُلِّ شَيْءٍ، لأَنَّ هَذِهِ هِيَ مَشِيئَةُ اللهِ فِى الْمَسِيحِ يَسُوعَ مِنْ جِهَتِكُمْ» (1تسالونيكى 5: 16-18).

هذه الوصية الثلاثية لا تُقدَّم بوصفها حالة عاطفية مرتبطة ببداية سنة جديدة، بل كمنهج حياة متكاملة، يصلح لكل زمان، ويزداد احتياجنا إليه كلما اشتدت التحديات.

تُعد رسالة تسالونيكى الأولى، بحسب كثير من المفسرين، من أقدم رسائل الرسول بولس زمنيًّا. وكُتبت إلى كنيسة ناشئة فى مدينة تسالونيكى، عاصمة مكدونية، ولم تكن بداية هذه الكنيسة سهلة؛ فقد واجه المؤمنون فيها اضطرابات وضغوطًا، ما دفع بولس إلى إرسال تلميذه تيموثاوس لتثبيتهم فى الإيمان، كما ورد فى (1تسالونيكى 3: 2). وعندما عاد تيموثاوس بأخبار مشجعة عن إيمانهم ومحبتهم، كتب بولس رسالته، معالجًا تساؤلاتهم وتحدياتهم.
ومن اللافت أن الرسالة تبدأ وتنتهى بروح الشكر. فهى تُفتَتَح بصلاة شكر طويلة تعبّر عن عمق علاقة بولس بهذه الكنيسة (1: 2-3: 13)، ثم تنتقل إلى إرشادات عملية لحياة الإيمان، فى قلبها هذه الدعوة الواضحة: الشكر فى كل شىء.

حين يدعونا الرسول بولس إلى الفرح الدائم، والصلاة بلا انقطاع، والشكر فى كل شىء، فهو لا يتجاهل واقع الألم أو التحديات، بل يضع المؤمن أمام اختيار روحى واعٍ. الفرح هنا ليس فرح الظروف، بل فرح الثقة بالله. والصلاة ليست مجرد كلمات، بل علاقة حيّة. أمّا الشكر، فهو إعلان إيمان يسبق تغيّر المشاعر.
الكتاب المقدس ملىء بنماذج هذا الشكر. داود يشكر الله بعد الضيق قائلًا: «أُعَظِّمُكَ يَا رَبُّ لأَنَّكَ نَشَلْتَنِى وَلَمْ تُشْمِتْ بِى أَعْدَائِي» (مزمور 30). ويشكره أيضًا فى وسط الضيق، بعد صرخة استغاثة، فيعلن بثقة: «مُبَارَكٌ الرَّبُّ لأَنَّهُ سَمِعَ صَوْتَ تَضَرُّعِي» (مزمور 28).

والرسول بولس نفسه، وسط الاضطهاد والمعاناة، يكتب: «وَلَكِنْ شُكْرًا لِلَّهِ الَّذِى يَقُودُنَا فِى مَوْكِبِ نُصْرَتِهِ فِى الْمَسِيحِ كُلَّ حِينٍ» (2كورنثوس 2: 14). هذا الشكر لا ينكر الألم، ولا يمارس «تمثيلًا روحيًّا أو دينيًّا»، بل يعبّر عن ثقة راسخة وإيمان بالله، وعن قلب متصل به بالصلاة المستمرة. لذلك لا ينفصل الشكر عن الصلاة؛ فالقلب المنقطع عن الله يعجز عن الشكر حين تضيق الظروف.

يؤكد بولس أن «الشكر فى كل شىء» هو «مشيئة الله فى المسيح يسوع». فمشيئة الله لا تتمثل دائمًا فى تغيير الواقع، بل كثيرًا ما تبدأ بتغيير القلب. الشكر يحرر الإنسان من المرارة، ويكسر دائرة التذمر، ويمنحه سلامًا وفرحًا يتجاوزان الظرف.

ويأتى هذا النداء الرسولى بالشكر فى كل شىء متقاطعًا بعمق مع رسالة الميلاد ذاتها. فميلاد السيد المسيح لم يكن حدثًا مريحًا من حيث الظروف، بل جاء فى زمن اضطراب وخوف وانتظار. ومع ذلك، حمل هذا الميلاد أعظم إعلان للرجاء: حضور الله فى قلب الواقع الإنسانى. يعلّمنا الميلاد أن الرجاء لا يبدأ حين تتحسّن الظروف، بل حين نكتشف أن الله معنا فيها. ومن هنا يصبح الشكر استجابة إيمانية لحقيقة الميلاد.

وفى عالمنا الراهن، تتضاعف التحديات أمام هذا الشكر. نحن نعيش فى زمن المقارنة المستمرة، حيث تصنع وسائل التواصل الاجتماعى وهم الاكتمال، وتغذّى الشعور بالنقص. نقارن كواليس حياتنا بمنصّات عرض الآخرين، فنفقد الامتنان. كما نعيش فى ثقافة استهلاكية لا تعلّمنا الاكتفاء، بل تردّد باستمرار: «ليس عندك ما يكفى».

فى هذا السياق، يصبح الشكر قرارًا واعيًا بأن نرى نعم الله وسط النقص، وأن نحتفل بما لدينا لا بما ينقصنا، وأن ندخل العام الجديد لا بقائمة مطالب فقط، بل بقلب شاكر.

مع بداية سنة جديدة، تبقى الدعوة مفتوحة: هل نستطيع أن نشكر الله فى كل شىء؟ وهل نسمح للشكر أن يشكّل نظرتنا للزمن القادم، لا باعتباره عامًا مضمون النتائج، بل مسيرة نسيرها مع الله، بثقة وامتنان؟

فى ضوء الميلاد، لا يعود الشكر خيارًا أخلاقيًّا فقط، بل فعل إيمان متجذّرًا فى الرجاء. فكما وُلد المسيح فى عالم مثقل بالأسئلة، يدخل المؤمن العام الجديد وهو يدرك أن الرجاء لا يكمن فيما يحمله الزمن، بل فى من يسير معنا خلاله. «اشكروا فى كل شىء» ليست دعوة للهروب من الواقع، بل طريقة للعيش فيه بقلب حر، يرى فى الميلاد بداية رجاء دائم، وفى الشكر لغة هذا الرجاء اليومية.