قريباً من السياسة

موقف مصر

محمد الشماع
محمد الشماع


لعل كتاب يوسى كوهين رئيس جهاز الاستخبارات الإسرائيلية السابق ومذكراته فى عمليات التجسس وإدارة الأزمات والغرف السياسية رفيعة المستوى خلال سنوات عمله هو وثيقة سياسية صاغتها افتراضات وغرائز رجل قضى عقودًا فى قراءة الشرق الأوسط من منظور أمنى.

رئيس الاستخبارات الإسرائيلية السابق أكد أن مصر تحتل مكانة غير مألوفة بين الأطراف الإقليمية «التى يناقشها كتابه» فهى لا تظهر كثيرًا، ولكن عندما تظهر يغير وجودها مسار السرد. كما يسلط الضوء على نقطة نادرًا ما يتم الاعتراف بها فى الكتابات الاستراتيجية الإسرائيلية وهى أن قرارات مصر يمكن أن تحدد حدود طموحات إسرائيل.

ويعدد كوهين عدة قوى «يُعتقد» أنها ستشكل المنطقة فى السنوات المقبلة منها القيادة الخليجية والسياسة الأمريكية والطموحات النووية الإيرانية. ومع ذلك فإن التدخل الأكثر حسمًا فى روايته هو سطر قصير يقر فيه برفض مصر التعاون مع خطة اعتبرها أساسية، ويقدم هذا الأمر كواقع إقليمى بل ويؤكد رئيس الاستخبارات الإسرائيلية السابق على أمر أدركه المصريون منذ زمن طويل أن بلادهم تلعب دورًا مستقرًا فى المنطقة، ليس من خلال الخطابات أو الطموحات، بل بفضل قرارات ملموسة متجذرة فى السيادة والاستراتيجية.

أهمية الكتاب تأتى من شهادة رئيس جهاز الاستخبارات الإسرائيلى بأن قصة النظام الإقليمى لا تزال مصر طرفًا حاسمًا فيه.

ويعترف كوهين بأن كل الجهود التى بذلتها إسرائيل على كل الأصعدة بما فيها جهود الدول الكبرى لتهجير الفلسطينيين كانت تتوقف على قرار واحد. كما جاء فى الجملة الأكثر أهمية فى كتابه «فى نهاية المطاف رفضت مصر المبادرة».

ويعرض الرفض بوضوح دون أى تجميل، إلا أن تداعياته واضحة كما أن بإمكان إسرائيل الحصول على دعم الولايات المتحدة الأمريكية وعدة قوى عالمية، لكن الخطة باءت بالفشل لحظة رفض القاهرة. ويؤكد كوهين أنه لا يتم التعامل مع موقف مصر باعتباره عقبة يجب التفاوض بشأنها، بل هو قرار سيادى يحمل فى طياته النهاية، ولا يشير إلى أنه بإمكان إسرائيل تقديم ضمانات أقوى بل يصف الرد ببساطة مقرًا بالثقل الاستراتيجى الكامن وراءه.

وأقوى ما تضمنه الكتاب هذه الفقرة «إن مصر ليست دولة تجر إلى هندسة إقليمية، بل هى دولة تحدد قراراتها بإمكانية تحقيق هذه الهندسة».

هذا الكتاب  شهادة ترد على الكثير من محاولات التضليل والكذب وتوضح موقف مصر من قضايا عالمية وإقليمية وفى القلب منها قضية الشعب الفلسطينى.