يوميات الأخبار

من الإنكار.. إلى الاحتكار!

السيد النجار
السيد النجار


فى صيف ١٩٥٢، بدأت المشاورات السرية بين عدد محدود من وزراء الكيان الصهيونى ورؤساء أجهزته الأمنية.. الهدف.. اتخاذ قرار بتوجه إسرائيل لإنتاج القنبلة النووية.. عندما اعترض البعض.. قال بن جوريون رئيس الوزراء.. لازم نمتلك السلاح النووى.. نحن محاطون بالأعداء العرب من كل جانب وسياسة الردع النووى هى وسيلتنا الوحيدة إذا أردنا بقاء إسرائيل.. واتخذوا القرار.. وفى عام ١٩٥٦ وقعوا الاتفاق مع فرنسا.. بدأوا العمل عام ٥٧ لتكون القنبلة والرؤوس النووية جاهزة للانطلاق فى بداية السبعينيات.. ووضع بن جوريون مبدأ الإنكار مع أى شخص بالعالم حتى لو كان الرئيس الأمريكى.. واتفقوا على اتباع سياسة الغموض المتعمد.. لا تؤكد ولا تنف إذا تسربت أى معلومات أو أخبار.. ونترك العرب حائرين خائفين.. لا يعلمون هل نملك.. أم لا.. وبذلك تحقق سياسة الردع هدفها حتى قبل بداية الإنتاج.. واتفقوا على الصياغة التى تتم الإجابة بها مع أى رئيس دولة أو وسيلة إعلامية تقول «لن نكون أول من يمتلك سلاحاً نووياً بالمنطقة» ومازالوا حتى قراءة هذه السطور يتبعون الغموض.. لا يقول رئيس وزرائها أى كلمة غير هذه الجملة الغامضة منذ عام ٥٧ تطبيقاً لسياسة الإنكار.. واستمرت إسرائيل فى إنتاج الأسلحة النووية والتى بلغت الآن أكثر من ٤٠٠ قنبلة نووية وهيدروجينية ورأس صاروخى نووى. حسب تقارير الأبحاث العالمية المتخصصة. وفى نفس الوقت استمرت أمريكا فى التعتيم عليها والدفاع عنها!

ولم تكتف إسرائيل بمبدأ الإنكار، لتضيف إليه مبدأ آخر وضعته وبدأ فى تنفيذه مناحيم بيجين.. واتبعه كل رئيس وزراء بعده.. قال بيجين لا يكفى الإنكار ولابد من الاحتكار.. لن نسمح لأحد فى المنطقة بامتلاك السلاح النووى.. لازم يكون حقا لنا فقط.. وبالفعل لم تنته حياته السياسية إلا بارتكاب أول عملية افتخروا بها عام 81 بتدمير المفاعل النووى العراقى تحت الإنشاء.. ومن قبله اغتيال العالم المصرى الدكتور يحيى المشد المشرف على المشروع عام ١٩٨٠ فى باريس.. وفى عام ٢٠٠٧ وبعملية مشابهة دمروا المشروع السورى.. وفى عام ٢٠٠٣ يتخلى القذافى عن مشروعه بتهديدات أمريكية وقفت وراءها إسرائيل. وقبل ذلك عام ٧٩ سعت إسرائيل للقضاء على البرنامج النووى الباكستانى ولكنها فشلت ودفع الرئيس الباكستانى ذو الفقار على بوتو حياته ثمنا لرفضه كل التهديدات وأطلق مقولته الشهيرة: توجد قنبلة نووية مسيحية لدى 5 دول.. وقنبلة يهودية فى إسرائيل وقنبلة هندوسية فى الهند فلماذا لا توجد قنبلة نووية إسلامية؟.

دمرت إسرائيل كل مشروعات الطاقة النووية العربية حتى لو كانت للاستخدامات السلمية واليوم تتجه لإيران والعالم يغمض العين عن امتلاكها السلاح النووى منذ ٥٠ عاماً.. ولم تجرؤ الأمم المتحدة برعاية أمريكية من إصدار كلمة إدانة واحدة أمام كل عدوان إسرائيلى على سيادة الدول.. والغريب أن إسرائيل ترتكب جرائمها تحت عنوان مزيف بادعاء عدم تهديد الأمن والاستقرار بمنطقة الشرق الأوسط.. رغم اليقين لدى أمريكا والغرب أن إسرائيل هى التى تمارس الحروب والاعتداءات التى تهدد الأمن والاستقرار. فإن سعيها للعدوان على إيران، كما كان الأمر مع دول عربية قبلها.. لا هدف منه سوى ضمان احتكارها للردع النووى وتفوقه العسكرى.

أولا.. وأخيرا.. لا يحق لإسرائيل تنصيب نفسها وكيلاً عن العالم لا فى الحرب.. ولا فى السلام.. ولكنه الحال المايل!

المثالى.. أبوة وصحافة

أسعدنى اختيار الكاتب الصحفى العزيز محمد عبدالحافظ رئيس تحرير آخر ساعة السابق أبا مثاليا عن محافظة القاهرة فى الاحتفال القومى الذى تنظمه وزارة التضامن الاجتماعى ووزيرتها المثالية الدكتورة مايا مرسى.. بارك الله فى أبناء محمد الذين منحوه هذا اللقب.. حفظهم الله.. وحفظه دائما إنساناً مثالياً.. أبا وصحفيا.. عندما قرأت الخبر انشرح صدرى بذكريات أعوام طويلة تزاملنا فيها بجريدة الأخبار الحبيبة.. وهمست داخلى.. كنت أعرف إنك صحفى مثالى، وإذ بك أيضاً أب مثالى.. الأمر ليس بغريب عليك.. المثالية لا تتجزأ.. ففى الصحافة فاز محمد عبدالحافظ بالعديد من الجوائز.. توجها جائزة نقابة الصحفيين وجائزة مصطفى وعلى أمين فى المقال.. بادل الصحافة حبا بحب ومنحها جائزة عشق وجهد ومثابرة وكفاءة وعطاء.. مشواره تتعدد فيه وتتنوع هذه الصفات التى تجسد رؤية وواقع أن الصحافة رسالة وليست وظيفة كما قال رواد المهنة الكبار.

مشوار محمد فى العطاء طويل ولكن أشير فقط إلى إحدى ومضاته.. يتم تنظيم العمل بالأخبار ثلاث مجموعات عمل لإصدار الجريدة، تتولى كل مجموعة العمل يومين.. كان محمد القاسم المشترك مع المجموعات الثلاث طوال الأيام الستة.. اختياراً وليس إجباراً.. ليلاً ونهاراً.. فى يوم الأربعاء ١٩ مارس ٢٠٠٣ كنا معاً لإصدار الطبعتين الثانية والثالثة.. وفى الثانية ليلاً تتوالى الأخبار العاجلة بتوجيه أمريكا ضرباتها للعراق.. فينتفض الجميع لتصبح صالة تحرير الأخبار خلية عمل فى صمت وهدوء ووجوم المفاجأة.. أنكب كل على عمله. ويكتب محمد مانشيت الجريدة عدوان أمريكى على العراق.. استخدام المسميات والألفاظ فى مثل هذه الحالات حساس ودقيق. ولكنه يصر.. ويلح. وإذ بالراحل الكبير جلال دويدار رئيس التحرير يوافق على استخدام كلمة عدوان.. وتتكرر عناوين الجريدة فى التغطية الشاملة لتحمل مرادفات هذا الوصف.. غزو.. احتلال.. بينما صدرت الصحف الأخرى بكلمات عناوين مغايرة.. نستمر فى العمل حتى ظهر الجمعة فى ست طبعات على هذا النهج.. ينتقد السفير الأمريكى بالقاهرة موقف «الأخبار» فى اتصال هاتفى مع رئيس التحرير والذى أصر على هذا الموقف طول أيام العدوان.. وتقود «الأخبار» الصحف المصرية والعربية فى هذا التوجه.. يكتب الأستاذ

جلال عدة مقالات ويصدر بعد ذلك كتابا عن الواقعة والحرب على العراق مجسدا وطنية وعروبة جريدة «الأخبار».

تطول الذكريات مع الصحفى المتميز.. مبروك للأستاذ محمد عبدالحافظ.. المثالى أبوة وصحافة.

وظيفة اختارها لى القذافى

حان وقت البوح.. أغسطس ٢٠٠٥.. موجود فى مكتب وزير الإعلام صفوت الشريف لمتابعة أخبار الوزارة حيث كنت مندوبا لجريدة «الأخبار» بوزارة الإعلام.. فجأة.. نبأ عاجل «اختطاف طائرة مصر للطيران المتوجهة من الأقصر إلى القاهرة».. يطلب المختطف توجه الطائرة إلى طرابلس.. يتم تشكيل غرفة عمليات بمجلس الوزراء.. وزير الإعلام على اتصال بمكتبه بين لحظة وأخرى بشأن نشر وإذاعة البيانات والأخبار الصادرة عن غرفة العمليات أو أى توجيهات أخرى.. ظللت بمكتب الوزير لمتابعة الأخبار أولا بأول.. بعد فترة وجيزة.. خبر من الوزير بتوجه طائرة مصرية إلى مطار طرابلس لإحضار ركاب الطائرة المختطفة.. أطلب من مدير مكتبه إبلاغه رغبتى فى السفر على الطائرة.. يتم العرض والموافقة.. بعد ربع ساعة وقبيل مغادرتى للتوجه إلى المطار يتصل الوزير طالباً إبلاغ الصحف والإذاعة والتليفزيون لتكليف من يسافر على الطائرة للتغطية «ضاع أملى فى حصولى على انفراد».

فى بهو الفندق بطرابلس بينما كنت منهمكا فى العمل وزميلى المصور الراحل عادل حسنى.. نفاجئ بدخول الأخ القائد معمر القذافى قائد الثورة الليبية «لقبه الرسمى وكما يحب أن يسميه الإخوة الليبيون».. يحيط به طاقم حراسته.. مجموعة من الفتيات الفاتنات المصارعات.. وسط الزحام نجحت فى الوصول إليه وجها لوجه.. أتوجه بسؤال عن أى اتصالات بين مصر والسلطات الليبية لتسليم المختطف.. يشيح بوجهه وينظر لأعلى دون إجابة.. يتلقى أسئلة أخرى من الإعلاميين والصحفيين.. ثم أكرر السؤال بصيغة أخرى.. يحدق فى وجهى طويلا.. ثم نظرة للسماء دون إجابة.. لم ينتبنى اليأس.. تمهلت قليلاً وتوجهت بعدة أسئلة أخرى وألحقتها بتكرار السؤال بطريقة غير مباشرة.. أشار بيده للآخرين ليصمتوا.. تفاءلت بالإجابة.. ولكن فجأة يسألنى.. من أنت.. أنا فلان الفلانى من صحيفة «الأخبار».. وفى هدوء يقول: لا.. أنت لست صحفياً.. أنت ضابط مصرى.. صعقت مما قال.. وسط نظرات حشد الإعلاميين حولى.. بعضها نظرات مريبة.. واصلت المؤتمر الصحفى حتى غادر القذافى.. أجلس جانباً لإعداد رسالتى الصحفية إلى الجريدة.. أقلب فى الأوراق وفجأة لا أجد الكاسيت المسجل عليه عمل يوم شاق.. ولكن لحسن حظى أن جميع المعلومات واللقاءات كانت مكتوبة.. مثل عادتى.. دائماً لا أعتمد على مسجل الكاسيت فقط.. أسجل وأكتب.. قال لى عادل حسنى.. أحمد ربنا أن المشكلة فى اختفاء الكاسيت بدلا من اختفائك أنت.. يستمر العمل حتى مساء اليوم التالى ونعود للقاهرة بسلام.. وتبقى الوظيفة التى اختارها لى القذافى قصة يتندر بها الزملاء الذين كانوا معى فى الرحلة لعدة سنوات.

همس النفس

لا تسألنى عن حبيب فاق جماله واكتمل.. عاهدته لأكتمن ما فى القلب ولا بسره أبوح.. جميل العشق والهوى الستر وإن طال النوح.. لا تسألنى عن لقاء.. آراه فى قلوب تتناغم دقاتها.. وأحاسيس تجتاح النفس والروح.. آراه قمراً يبدد ظلام ليلى.. آراه فى بزوغ ألوان الفجر الذهبية وعند شروق الشمس يلوح.
لا تسألنى عن عشق أضنى القلب وأدماه.. دعنى لأحزانى وإن طال الفراق عن حبه لا أتوب.. العين تبكى زمان الصبابة وتشتاق للأيام الخواليا.. فهل لنا من تلاقيا.