تؤكد أرض مصر مرة أخرى أنها لا تزال تخبئ بين طبقاتها حكايات لم تُروَ بعد، فمع كل موسم حفائر يظهر فصل جديد من تاريخ طويل يعكس عبقرية الإنسان وقدرته على التكيف والإبداع.
وفي غرب دلتا النيل، حيث تلاقت طرق التجارة والاستيطان، جاءت الاكتشافات الأثرية الأخيرة لتعيد رسم صورة مجتمع نشط عاش على هامش العصور الكبرى، لكنه كان فاعلًا ومؤثرًا في حركة الاقتصاد والحياة اليومية، منذ العصر المتأخر وحتى الحقبة الرومانية.

- ورش وأسواق وجبانات.. ملامح حياة كاملة في غرب الدلتا
في إطار أعمال التعاون الأثري المشترك بين المجلس الأعلى للآثار وجامعة بادوفا الإيطالية، أسفرت الحفائر الجارية بموقعي كوم الأحمر وكوم وسيط بمحافظة البحيرة عن كشف أثري بالغ الأهمية، تمثل في مجموعة من الورش الصناعية التي تعود إلى العصر المتأخر وبدايات العصر البطلمي، إلى جانب جزء من جبانة رومانية تضم أنماطًا متعددة من الدفن، ما يعكس تنوعًا ثقافيًا واجتماعيًا امتد عبر قرون متعاقبة.
- نافذة جديدة على الحياة اليومية
تمثل هذه الاكتشافات مصدرًا مهمًا لفهم طبيعة النشاط البشري في مناطق غرب الدلتا، التي ظلت لفترات طويلة أقل حظًا من الدراسة مقارنة بمراكز حضرية كبرى مثل الإسكندرية، وتكشف النتائج عن وجود تجمعات سكنية وصناعية لعبت دورًا حيويًا في الاقتصاد المحلي، وأسهمت في ربط الدلتا بالمناطق الساحلية والداخلية عبر شبكات تبادل وتواصل نشطة.

- ورش صناعية تعكس ازدهارًا اقتصاديًا
وأظهرت أعمال التنقيب وجود مبنى صناعي كبير مقسم إلى ست غرف على الأقل، ما يشير إلى تنظيم معماري يعكس تخطيطًا وظيفيًا واضحًا، وقد خُصصت غرفتان لمعالجة الأسماك، حيث عُثر على آلاف من عظام الأسماك، وهو ما يؤكد أن صناعة السمك المملح كانت نشاطًا اقتصاديًا رئيسيًا في هذه المنطقة، وربما ارتبطت بتجارة محلية أو إقليمية لتوفير الغذاء وحفظه.
أما باقي الغرف، فتشير الدلائل الأثرية إلى استخدامها في صناعات متعددة، شملت إنتاج الأدوات المعدنية والصخرية، إلى جانب تصنيع تمائم الفيانس والتماثيل الصغيرة، وقد عثرت البعثة على نماذج غير مكتملة من تماثيل جيرية وقطع تمر بمراحل تصنيع مختلفة، ما يتيح للباحثين تتبع خطوات الإنتاج وأساليب العمل في تلك الحقبة.
كما عزز العثور على جرار أمفورا مستوردة وقطع من الفخار اليوناني من تأريخ هذه الورش إلى القرن الخامس قبل الميلاد، مؤكداً وجود علاقات تجارية وثقافية مع العالم اليوناني في مرحلة مبكرة.
- جبانة رومانية تكشف طقوس الموت
إلى جانب النشاط الصناعي، كشفت الحفائر عن جزء من جبانة تعود إلى العصر الروماني، ضمت عدة دفنات تنوعت أنماطها بين الدفن المباشر في الأرض، والدفن داخل توابيت فخارية، ودفنات الأطفال داخل أمفورات كبيرة، ويعكس هذا التنوع اختلافًا في المعتقدات الجنائزية أو في الوضع الاجتماعي والاقتصادي للأفراد المدفونين.
وتفتح هذه الجبانة آفاقًا جديدة لدراسة الطقوس الجنائزية في غرب الدلتا خلال العصر الروماني، خاصة في المناطق الريفية أو شبه الحضرية، التي لم تحظ بدراسات كافية من قبل.
- الإنسان خلف الآثار
وتعمل البعثة حاليًا على إجراء دراسات بيو أثرية متقدمة على الهياكل العظمية المكتشفة، والتي بلغ عددها 23 فردًا من مختلف الفئات العمرية والجنسية، وتهدف هذه الدراسات إلى فهم نمط الحياة، والنظام الغذائي، والحالة الصحية لهؤلاء الأفراد، بما يساهم في رسم صورة إنسانية أكثر اكتمالًا لسكان المنطقة.
وتشير النتائج الأولية إلى أن هؤلاء الأشخاص عاشوا في ظروف معيشية مستقرة نسبيًا، دون مؤشرات واضحة على انتشار أمراض خطيرة أو التعرض لعنف جسدي، وهو ما يعكس بيئة اجتماعية متوازنة إلى حد كبير.
- لقى نادرة وشواهد مادية
ولم تقتصر الاكتشافات على المعمار والهياكل العظمية فقط، بل أسفرت الحفائر عن العثور على عشرات الأمفورات الكاملة، التي كانت تُستخدم في التخزين أو النقل، إضافة إلى زوج من الأقراط الذهبية يعود لفتاة شابة، في لمسة إنسانية مؤثرة تربط الحاضر بالماضي.
وقد جرى نقل جميع القطع المكتشفة إلى المتحف المصري بالقاهرة، تمهيدًا لإخضاعها لأعمال التوثيق والدراسة والترميم، تمهيدًا لعرضها أو نشر نتائجها علميًا.

- أهمية الكشف وآفاقه المستقبلية
يمثل هذا الكشف إضافة نوعية لدراسة تاريخ غرب دلتا النيل، ليس فقط من منظور سياسي أو معماري، بل من زاوية الحياة اليومية والاقتصاد المحلي والعلاقات الاجتماعية، كما يعزز من أهمية المنطقة كمجال خصب لأبحاث مستقبلية قد تكشف المزيد عن دورها في التاريخ المصري القديم، وتعيد إدراجها على خريطة الاهتمام الأثري والعلمي.
وتعتبر منطقة غرب الدلتا ومحافظة البحيرة بوجه خاص شهدت بالفعل اكتشافات أثرية سابقة ومهمة، وما تم الإعلان عنه مؤخرًا يُعد امتدادًا وتأكيدًا للأهمية التاريخية والأثرية للمنطقة، وليس كشفًا معزولًا.
- أبرز الاكتشافات والآثار السابقة في نفس الإقليم تشمل:
مواقع كوم أثرية متعددة مثل كوم الأحمر، كوم وسيط، كوم الحصن، وهي تلال أثرية تراكمت نتيجة الاستيطان المتواصل عبر عصور مختلفة، من العصر الفرعوني المتأخر مرورًا بالعصرين اليوناني والروماني وحتى الإسلامي المبكر.
كوم الحصن (إيمت القديمة) يُعد من أهم المواقع الأثرية في البحيرة، وقد كشفت الحفائر السابقة فيه عن بقايا مدينة قديمة تعود إلى الدولة الحديثة والعصر المتأخر، مع دلائل على وجود نشاط إداري وديني، ومخازن للحبوب، ما يشير إلى دور اقتصادي مهم للمنطقة داخل دلتا النيل.
- جبانات رومانية ويونانية: سبق العثور في مناطق متفرقة من البحيرة وغرب الدلتا على جبانات تعود للعصرين اليوناني والروماني، تضمنت توابيت فخارية، ودفنات داخل أمفورات، وهو نمط مشابه لما تم الكشف عنه حديثًا، ما يدل على استمرارية الممارسات الجنائزية في الإقليم.
دلائل صناعية وتجارية قديمة: كشفت حفائر سابقة عن أفران فخار، ومخازن، وورش صغيرة، خاصة المرتبطة بصناعة الفخار ومعالجة المنتجات الزراعية والسمكية، ما يدعم فكرة أن غرب الدلتا كان مركزًا إنتاجيًا يخدم المدن الساحلية مثل الإسكندرية.
طرق قديمة وشبكات اتصال: أظهرت الدراسات الأثرية أن المنطقة كانت تقع على مسارات ربط مهمة بين الدلتا الداخلية والساحل الشمالي، وهو ما يفسر العثور على فخار مستورد وأمفورات يونانية ورومانية في أكثر من موقع.
اقرأ ايضاً : أسرار من عالم الصغار.. «دمي» تحكي حكايات الحياة في مصر القديمة
- أهمية الربط بين الاكتشافات القديمة والجديدة:
الاكتشاف الأخير للورش الصناعية والجبانة الرومانية لا يُمثل مفاجأة بقدر ما يُكمل صورة تاريخية أوسع، تؤكد أن غرب الدلتا كان منطقة حيوية شهدت استيطانًا مستمرًا ونشاطًا اقتصاديًا متنوعًا عبر قرون طويلة، وليس مجرد منطقة هامشية.
كما يمنح الباحثين فرصة لربط نتائج الحفائر الحالية بالاكتشافات السابقة، لإعادة بناء المشهد الاجتماعي والاقتصادي للمنطقة بصورة أكثر تكاملًا.

«التلمذة الصناعية».. تصحيح مسار أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟
الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟







