إسلام عفيفى يكتب: البرلمان القادم بين الشكوك والشرعية

إسلام عفيفى
إسلام عفيفى


فى السياسة لا تُقاس قوة الدولة بقدرتها على إعلان النتائج سريعًا، بل بقدرتها على حماية المعنى الذى يجعل النتائج جديرة بالثقة وأخطر ما قد يحدث لعملية انتخابية ليس أن تقع فيها وقائعُ خلافٍ أو طعون، فهذا جزءٌ طبيعى من أى منافسة حقيقية، بل أن يُترك هذا الخلاف بلا إطارٍ مؤسسى واضح، فتتحول الواقعة من «نزاعٍ قابل للفحص» إلى «سردية هدم» تُصاغ على عجل، ويُراد لها أن تسبق القانون والقضاء، وأن تقوّض مشروعية البرلمان القادم قبل أن تتكلم المؤسسات المعنية.

من هنا تُقرأ تغريدة الرئيس السيسى حول ما وصل إليه من أحداثٍ وقعت فى بعض الدوائر الانتخابية، قراءةٌ مختلفة عن القراءة السطحية التى حاول البعض دفعها إلى اتجاهٍ خاطئ فالرئيس لم يتحدث بلغة إدارة النتائج، بل بلغة تثبيت القاعدة الأولى فى إدارة دولة: أن هذه الأحداث «تخضع فى فحصها والفصل فيها للهيئة الوطنية للانتخابات دون غيرها»، وأنها هيئة مستقلة تعمل وفق قانون إنشائها، هذه الجملة ليست تفصيلًا إجرائيًا، بل قلب الشرعية نفسها، لأن الشرعية لا تُبنى على حسن النوايا ولا على الصخب، بل على جهة محددة الصلاحيات، معروفة المسار، قابلة للمراجعة، وتعمل تحت سقف القانون.

والأهم أن الرئيس لم يقف عند حد الإحالة إلى الهيئة المختصة، بل قدّم تعريفًا عمليًا لما يعنيه أن تكون الانتخابات «حقيقية»: أن تُكشف إرادة الناخبين كما هى، لا كما تُروى، وأن تُعلى شفافية الإجراءات بما يقطع الطريق على الشكوك، وبما يحول دون صناعة  «أسطورة التلاعب» من فراغ لذلك جاء طلبه بالتدقيق التام عند فحص هذه الوقائع والطعون، وباتخاذ ما يرضى الله ويكشف بأمانة إرادة الناخبين، ثم جاءت الإشارة المفصلية: التيقن من حصول مندوب كل مرشح على صورة من كشف حصر الأصوات من اللجنة الفرعية هذه ليست مجاملة انتخابية، بل حجر زاوية فى بناء الثقة؛ لأن الثقة تُصنع حين تصبح الوثيقة متاحة، حين يتحول الادعاء إلى دليل، وحين يصبح الخلاف قابلًا للفحص لا قابلًا للتسييس.

الذين حاولوا تحميل التغريدة معنى «هدم العملية» أو «التشكيك فى الانتخابات» يتعمدون القفز فوق فكرة بسيطة: أن الدولة التى تحترم نفسها لا تخاف من المراجعة، ولا تضع الشرعية على رمالٍ رخوة الإلغاء لنتائج الجزئى إذا تعذر الوصول إلى إرادة الناخبين الحقيقية، ليس تهديدًا للانتخابات بل حماية لها، لأن الخطر الحقيقى ليس فى إعادة مرحلةٍ عند الضرورة، بل فى تمرير مرحلةٍ مُلتبسة ثم مطالبة الناس لاحقًا بتصديقها إلى الأبد، الشرعية التى تُبنى على الإجراء الواضح قد تتعب لحظة، لكنها تُنقذ الدولة سنوات؛ أما الشرعية التى تُبنى على الاستعجال فتبدو منتصرة فى يومها، لكنها تُستنزف فى كل يوم بعدها.

ثم إن أخطر ما يفعله المتربصون بالعملية السياسية والمنتفعون من تشويهها، أنهم يخلطون عمدًا بين أمرين: بين واقعةٍ محل فحص وطعن، وبين حكمٍ شامل على الانتخابات كلها فى دولة القانون، هناك درجاتٌ للفصل، ومساراتٌ للتقاضى، وضماناتٌ لمراجعة المشروعية، بدءًا من الهيئة الوطنية للانتخابات بما لها من اختصاص أصيل، ثم ما يتيحه القانون من مسارات قضائية للفحص والمراجعة، وصولًا إلى أعلى درجات الحسم حين يلزم الأمر وجود هذه الدرجات ليس ثغرة، بل شبكة أمان تمنع تحويل المنافسة إلى فوضى، وتمنع تحويل الاعتراض إلى سلاحٍ لنسف فكرة التمثيل النيابى قبل اكتمال الصورة.

المعنى الأعمق فى كلام الرئيس أنه لا يدافع عن «مرشح» ولا عن «نتيجة»، بل يدافع عن الفكرة التى تجعل مجلس النواب القادم ممثلًا فعليًا عن شعب مصر تحت قبة البرلمان فالتمثيل الحقيقى ليس شعارًا يُرفع، بل نتيجةُ إجراءاتٍ شفافة تُحترم، وقراراتٍ لا تتردد حين يتعذر الوصول إلى الإرادة الحقيقية وهنا تحديدًا تتكشف زاوية الحماية: حماية أصوات الناخبين باعتبارها أصل الشرعية، وحماية الدولة باعتبارها حارسًا لقواعد اللعبة، لا لاعبًا فيها.

وفى النهاية، من لا يريد انتخابات ذات معنى سيكره دائمًا كلمة «تدقيق»، وسيستفزه دائمًا الحديث عن «الشفافية»، لأن الشفافية تُفقده أهم أدواته: صناعة الرواية قبل صدور القرار أما الدولة التى تُبنى بجدية فهى التى تعرف أن الشرعية لا تُحمى بالصمت على الالتباس، ولا بتجاهل الضجيج، بل بإغلاق الباب على الشبهة عبر الإجراء، وعلى الشائعة عبر الوثيقة، وعلى التشكيك عبر مسارٍ قانونى يفضى إلى حقيقة يمكن الدفاع عنها.