على خشب الدرب الأحمر.. أم مودي تحفر قصتها في النجارة بـ«المونكير»

أم مودي في ورشة النجارة
أم مودي في ورشة النجارة


على كرسي خشبي عند مدخل ورشة صغيرة في قلب الدرب الأحمر، تجلس أم مودي مع أول ضوء للصباح، تفتح باب الرزق في السادسة صباحًا، ولا تغلقه إلا مع الخامسة مساءً، مشهد بسيط لكنه يحمل خلفه حكاية امرأة قررت أن تواجه المجتمع، والمهنة، والصورة النمطية، بثبات لا يعرف التراجع ولا الاستلام من الكلام السلبي.

 تتحرك أصابع حرصت أن تظل ناعمة ونظيفة، رغم التعامل اليومي مع المناشير وماكينات الخشب الثقيلة، أصابع تعرف كيف توازن بين القوة والدقة، وبين الشغل الشاق والأنوثة التي ترفض أن تتنازل عنها.

اقرأ أيضًا| «باروكة» تُخفي المعاناة.. خصلات الأمل للنساء المصابات بالسرطان

مهنة للرجال كسرتها امرأة

في مجال اعتاد المجتمع أن يضعه داخل إطار "الرجالة وبس"، اختارت أم مودي أن تكسر القاعدة، لا عنادا بل حبا في الشغل، ووفاء لإرث والدها الذي قضى أكثر من 70 عامًا داخل الورشة نفسها، قبل أن يرحل ويترك لها مهنة تعلمتها منذ الصغر، وعاشت تفاصيلها يومًا بعد يوم، لم تكن النجارة بالنسبة لها مجرد مصدر رزق، بل حرفة تعلمتها عن اقتناع، ومارستها بشغف، حتى أصبحت جزءًا من هويتها.

ورشة ورثتها عن الأب وحافظت عليها 

حيث تحكي الجدران تاريخ الصنايعية، تقف أم مودي وسط ورشتها الصغيرة، بين رائحة الخشب وصوت الماكينات، تمسك بالإزميل والمطرقة كما لو كانا امتدادًا ليديها، تتعامل مع أنواع مختلفة من الأخشاب، وتبدأ رحلة التصنيع من الخشب الخام، مرورا بالتقطيع، والتنعيم والحفر وحتى خروج قطعة أثاث جاهزة، كل مرحلة تدار بعين خبيرة تعرف قيمة الخشب، وكيفية استغلاله ليصبح منتجا قابلًا للاستخدام والربح.

اقرأ أيضًا| ملفات إبستين.. حارس مايكل جاكسون الشخصي يوضح حقيقة الصورة المثيرة

الشغل مش للرجالة بس

ورغم أن النجارة تُعرف بكونها مهنة ذكورية بامتياز، لم تتردد أم مودي لحظة في الاستمرار، بل تؤكد بثقة: "الشغل للستات الجدعة الست اللي تشقى وتشتغل أحسن ما تمد إيدها".
وتضيف بابتسامة واثقة: "الست تقدر تهد عمارة وتبنيها من تاني".


الطريق لم يكن سهلًا، فقد واجهت نظرات استغراب وتعليقات مشككة، لكنها استطاعت فرض نفسها بالعمل والإتقان، قائلة: "الناس في الأول كانت مستغربة، بس عرفت أخليهم يتعاملوا معايا زيهم زي أي راجل بالظبط".

ورغم المجهود البدني الكبير الذي تتطلبه النجارة، تؤكد أم مودي أن العمل لم ينتقص من أنوثتها، تضحك قائلة:"أنا في الورشة راجل بمسك الشاكوش والمنشار وأشتغل زي أي نجار، أول ما أروح البيت أرجع ست بيت وأم، وبحب أهتم بإيدي وضوافري حتى وأنا شغالة".

 

توضح أم مودي أن لديها أخا لم يعمل في الورشة، لكنه دعمها لأنها تحب المهنة وتمتلك شخصية قوية، ورغم انشغالها اليومي بالعمل، يبقى أبناؤها الثلاثة وأحفادها أعظم إنجاز في حياتها، مؤكدة أن تعب الشغل يهون بمجرد أن تراهم سعداء.

اقرأ أيضًا| حكايات| «كودية زار» أم سامح.. «دفوف وصاجات وغنا من غير عفاريت»

سكوتر بينك.. حضور مختلف 

وخارج أسوار الورشة، لا تتخلى أم مودي عن حضورها المختلف، تمتلك موتوسيكل سكوتر ترافقه في مشاويرها اليومية، تختصر به المسافات، وتشق به الزحام بثقة تشبه شخصيتها داخل الورشة تمامًا.

تحكي بابتسامة أن نظرات الناس لم تكن عائقا يوما، بل على العكس: "الناس بتوسعلي الطريق محدش استغرب، ولا حد وقف قصادي".

اختارت أن يكون سكوترها باللون الوردي والأبيض لونان يعكسان أنوثتها، ولا يتناقض مع مهنتها الشاقة، بل يؤكد نظرتها في الحياة: القوة لا تلغي الرقة، والعمل الجاد لا ينتقص من الهوية.

لم تندم أم مودي يومًا على اختيارها هذا الطريق، بل تعتبره شرفا وفخرًا، وتقول بابتسامة راضية: "لو الزمن رجع بيا، هاختار النجارة تاني كان نفسي أبقى وسط الناس والسوق، أحل مشاكل وأقف في شغل، النجارة فيها متعة بالنسبالي".

اقرأ أيضًا| «مصطفى محمود».. نجار تشكيلي حوّل جراج بيتهم إلى معمل يسحر القلوب

\